الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...

حين يصبح الجهل يقينًا ...

حين يصبح الجهل يقينًا ...

تاريخ النشر: 2026-08-15 | 11:07

د عبد الرحيم محمود جاموس
د عبد الرحيم محمود جاموس
ليست المشكلة الكبرى أن يجهل الإنسان بعض الأشياء؛ فالجهل، مهما اتسعت معارفنا، يظل جزءًا من طبيعتنا الإنسانية. المشكلة الأخطر تبدأ حين لا نعرف أننا لا نعرف؛ حين نملأ فراغ المعرفة بالظن، ونستبدل السؤال بالافتراض، والانطباع بالحقيقة، ثم نبني على ذلك أحكامًا ومواقف قد تبدو لنا يقينية، بينما هي في جوهرها قائمة على معرفة ناقصة ورؤية مبتورة. إنَّ نقص المعلومات، وضحالة الفكر والثقافة والمعرفة، لا تحجب عن الإنسان بعض الحقائق فحسب، بل قد تصنع أمام عينيه واقعًا مشوشًا؛ فيرى الأشياء من زاوية واحدة، ويفسر الأحداث بأدوات محدودة، ثم يظن أنه أحاط بالصورة كاملة. فالإنسان لا يرى الواقع كما هو بصورة مجردة، وإنما يراه من خلال ما يملكه من معرفة وتجربة وثقافة، ومن خلال قدرته على السؤال والتحليل والمقارنة والنقد. وكلما اتسعت هذه الأدوات، اتسعت زاوية الرؤية، وأصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والانطباع، وبين المعلومة والتفسير، وبين ما يعرفه حقًا وما يظنه أو يتخيله. أما حين تضيق دائرة المعرفة، تضيق معها زاوية النظر؛ فيتحول الجزء إلى كلٍّ، والاحتمال إلى يقين، والانطباع إلى حكم، والموقف المسبق إلى حقيقة لا تقبل النقاش. وهنا يبدأ سوء الفهم... فقد لا تكون المشكلة في الواقع نفسه، وإنما في الأداة التي ننظر بها إليه. فالعين المحدودة لا ترى المشهد كله، والعقل المحاصر بقناعة مسبقة قد لا يرى من الحقيقة إلا ما ينسجم معها. ولهذا يمكن لشخصين أن يشاهدا الحدث نفسه، ثم يخرجا منه بصورتين متناقضتين؛ ليس لأن الواقع قد تغير، وإنما لأن أدوات قراءتهما له مختلفة. والثقافة، في معناها الحقيقي، ليست تراكمًا للمعلومات ولا كثرةً في المحفوظات؛ إنها القدرة على أن نضع المعلومة في سياقها، وأن نسأل عن مصدرها، وأن نقارنها بغيرها، وأن نميز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة وتفسيرها، وبين ما نعرفه وما لا يزال بحاجة إلى تحقق. فقد يحمل الإنسان عشرات المعلومات، لكنه يفتقر إلى البصيرة التي تربط بينها. وقد يقرأ كثيرًا، لكنه لا يمتلك أدوات النقد. وقد يعرف تفاصيل كثيرة عن الأشياء، لكنه يعجز عن رؤية الصورة الأوسع التي تمنح تلك التفاصيل معناها. وهنا تكمن مفارقة المعرفة: كلما اتسعت معرفة الإنسان، اتسع إدراكه لما يجهله؛ وكلما ضاقت معرفته، ازداد احتمال أن يظن أنه يعرف كل شيء. ولهذا قد يكون الإنسان قليل المعرفة، لكنه أكثر وعيًا من غيره، إذا كان يعرف حدود معرفته، ويملك شجاعة السؤال والاستماع والتعلم. وفي المقابل، قد يكون واسع الاطلاع، لكنه أسير قناعاته، يستخدم ما يعرفه لا للبحث عن الحقيقة، وإنما للدفاع عن موقف اتخذه مسبقًا. عندها يتحول العقل من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى أداة لتبريرها كما نريدها أن تكون. وهذا هو أخطر ما يمكن أن يحدث للوعي الإنساني. فالتفكير الناضج لا يبدأ دائمًا من السؤال: كيف أثبت أنني على حق؟ بل يبدأ من سؤال أكثر نزاهة: ماذا لو كنت مخطئًا؟ وما الذي لا أعرفه بعد؟ وما المعلومات التي يمكن أن تغير حكمي؟ إن الاعتراف بإمكان الخطأ ليس ضعفًا، بل قوة؛ لأن الإنسان الذي يستطيع مراجعة فكرته يظل قادرًا على التعلم، أما الذي يجعل من رأيه حقيقة نهائية، فإنه يغلق على نفسه باب التطور. وفي عصر تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، لم تعد المشكلة الأساسية في ندرة المعلومات، وإنما في القدرة على التمييز بينها. فليست كل معلومة معرفة، ولا كل رواية حقيقة، ولا كل ما ينتشر صحيحًا. وقد يكون التضليل أكثر خطورة حين يحمل جزءًا من الحقيقة؛ لأن نصف الحقيقة قد يكون أكثر قدرة على خداع العقل من الكذبة الصريحة. وقد تُقتطع واقعة صحيحة من سياقها، أو تُعرض معلومة حقيقية دون مقدماتها ونتائجها، أو تُربط أحداث متباعدة بعلاقة لا وجود لها؛ فينشأ في ذهن المتلقي واقع آخر يبدو متماسكًا، لكنه ليس الواقع الذي حدث بالفعل. وهنا تصبح سلامة الرؤية مرتبطة بسلامة أدوات التفكير. نحن لا نحتاج إلى إنسان يعرف كل شيء؛ فهذا مستحيل. نحتاج إلى إنسان يعرف كيف يبحث، وكيف يتحقق، وكيف يصغي، وكيف يقارن، وكيف يراجع استنتاجه حين تستدعي الوقائع ذلك. إنسان لا يخجل من قول: «لا أعرف»، ولا يرى في قول «ربما أكون مخطئًا» انتقاصًا من كرامته أو مكانته. فالنضج الفكري ليس أن تمتلك الإجابة دائمًا، وإنما أن تعرف متى تحتاج إلى سؤال جديد. وفي النهاية، ليس أخطر ما يواجه العقل أن يجهل حقيقة، وإنما أن يعتقد أنه أدركها كاملة، وهو لم يرَ منها إلا جانبًا واحدًا. فحين تغيب المعرفة يملأ الظن فراغها، وحين يغيب النقد يتحول الظن إلى يقين، وحين يتحول اليقين إلى تعصب، يصبح الإنسان أسيرًا لصورة صنعها عن الواقع، لا للواقع نفسه. ولعل السؤال الذي يستحق أن يرافقنا جميعًا ليس فقط: ماذا أعرف؟ بل: كيف عرفت؟ وماذا لا أعرف؟ وهل ما أراه هو الواقع فعلًا، أم الصورة التي صنعتها معرفتي المحدودة عنه؟ فمن هنا تبدأ الرحلة من المعلومة إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الفهم، ومن الفهم إلى الوعي، ومن الوعي إلى البصيرة. وهنا يبدأ الإنسان في اكتشاف الحقيقة الأهم: أن معرفة حدود ما نعرف، قد تكون أحيانًا أعمق من معرفة ما نعرفه.
×
أخبار
مديرة "كنائس من أجل السلام": نطالب بمحاسبة إسرائيل على جرائمها ضد الفلسطينيين بزشكيان: انخفضت صادرات وواردات إيران بنسبة تصل إلى 35% قاضية تعلق أمر ترامب.. "معركة" أمريكية حول التصويت عبر البريد الليكود يهاجم بن غفير ويحذر من تشكيل حكومة يسار تقيم دولة فلسطينية منتجع ترامب في اسكتلندا يشعل مواجهة قضائية مع نشطاء مؤيدين لفلسطين نشطاء سلام يطالبون الاتحاد الأوروبي بوقف عنف المستوطنين في الضفة وقفة فلسطينية في بيروت رفضا للعقوبات الأمريكية على "فلسطين أكشن" في رسالة جديدة للشعب الإيراني..خامنئي:"ارتكاب أي أمر يضر بالانسجام الاجتماعي ممنوع" زعيم الديمقراطيين بـ"النواب الأميركي" يطالب بإقالة هيغسيث وإنهاء حرب إيران عبري: السعودية لم تعد تنتظر إسرائيل..والثمن قد يكون باهظا هيئة الجدار: المستوطنون أشعلوا 799 حريقا في الضفة حتى يويو الماضي ممرات القوقاز لا تعوض مضيق هرمز لكنها تهمّش دور إيران في شبكات الطاقة العالمية الخزانة الأمريكية تبدأ إجراءات عقابية ضد "بنك مصر - الإمارات" لصلته بالنظام الإيراني "سلاح في الخفاء ودبلوماسيّة في العلن: أسرار التواجد الصيني بين إيران والخليج" فايننشال تايمز: كيف بددت "كارثة إيران" أسطورة العبقري الاستراتيجي لدى ترامب؟ تقرير يتنبأ بمرشحي خلافة غيراسيموف ويرسم خريطة الجيل الجديد لجنرالات روسيا تقرير : ضربة "أبو الظهور" ترسم خطاً أحمر أمام النفوذ التركي بسوريا جيش الاحتلال يحذر نتنياهو من خروج الضفة عن السيطرة بسبب عنف المستوطنين تفاعلات أزمة هرمز 2026: كيف أعاد تعطّل الغاز الخليجي تشكيل سوق الطاقة العالمي؟ جيش الاحتلال يعلن استهداف مسلّحين داخل مركبتهما في جنين - فيديو تقرير: دوافع سياسية وانتخابية وراء تحول ترامب للعقوبات ضد إيران تقرير: التوسع النووي الأمريكي يضعف الردع ويزيد مخاطر التصعيد مع الصين وروسيا شهداء وجرحى في قصف إسرائيلي استهدف غزة وخانيونس- أسماء 538 قتيلا وفقدان أكثر من 1300 شخص جراء فيضانات نيبال لجنة انتخابات المجلس الوطني تتفق على اعتماد المجمع الانتخابي لاختيار ممثلي الجالية الفلسطينية في السويد روسيا تتبنى عقيدة "الدقة الجماعية" للضربات في حرب استنزاف طاحنة بأوكرانيا رغم النفي الرسمي.. استعدادات أمنية إسرائيلية لفتح معبر بيت حانون "إيرز" مطلع سبتمبر اتحاد الجاليات الفلسطينية في أوروبا يطالب المجتمع الدولي توفير الحماية ومحاسبة دولة الاحتلال بريطانيا تحذر: طرد ممثلينا من المركز الدولي لدعم غزة سيقوض جهود تحسين الأوضاع إيران: العقوبات الأمريكية "جريمة ضد الإنسانية"..وعراقجي يرى إمكانية عودة المفاوضات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط