من "خطف غزة" الى محاولة "خطف القضية"!
كتب حسن عصفور/ ثمان سنوات بالتمام والكمال، تمر اليوم 14 يونيو –حزيران 2015 على فعلة "خطف غزة" النكبة الثالثة التي حلت بالشعب الفلسطيني، بعد النكبة الإولى الكبرى في 15 مايو - ايارلعام 1948، يوم إغتصاب الأرض وتهجير الأهل و"خطف اسم الوطن"، مرورا بالنكبة الثانية يوم 5 يونيو لعام 1967، عام "النكسة" كما يحلو للإعلام العربي تسميته حيث أحتل ما تبقى خارج "خطف الوطن"، الى أن وصلنا الى "النكبة الثالثة" التي فتحت جرحا داميا في الجسد الفلسطيني لا زال ينزف، ممهدا "عهدا ذهبيا لدولة الكيان" فوق أرض فلسطين التاريخية، ما أدى، موضوعيا الى محاولة "خطف القضية"..
في اليوم التالي للإنقلاب الحمساوي الأسود، 15 يونيو 2007، كتبت زاوية في "أمد للاعلام" تحت عنوان "خطف غزة" مفردة لم تكن حاضرة في "القاموس السياسي الفلسطيني" قبل ذلك اليوم، فسجلت وكأنها "اختراع لغوي" لتصف بعضا من الحالة آنذاك، مشيرة في بعض فقراتها الى ما سيكون، وعودة لما كتب ذلك اليوم الأسود، كما يومي 15 مايو و5 يونيو:
"نعم خطفت حماس غزة، وبكى الآلاف، غزة التي رفعت اسم فلسطين عالياً، قبل الاحتلال وبعده، غزة التي تمنى رابين أن يبتلعها البحر يوماً، وكأنه توقع ما سيحدث..
خطف غزة حدث في مشهد لم نعرفه في التاريخ الوطني، وبالتأكيد، لن يتكرر لأنه لا يوجد من يتقن ذلك غيرهم بيننا، الفعل ليس حقداً أو كراهية كما يقال، بل هو العداء للوطن والوطنية الفلسطينية.. محاولة مسح التاريخ الوطني الفلسطيني، إزالة الرموز التي ضحى من أجلها الآلاف، وعلى رأسهم الزعيم الخالد، أبو الوطنية الفلسطينية، ياسر عرفات..
الفعل الذي تمنته إسرائيل، ولم تنجح به، بعد أن استخدمت كل الأسلحة الممكنة، وهاهي تنجح بسلاح آخر، بعد أن سهلت لها المهمة، بتهدئة إلى حين، لأن إسرائيل تبحث على من ينهي لها ارتباطها بالحل السياسي، وبالتالي سترتاح من أي ضغط سيوجه إليها، إلى أن تجد ذلك، ستمارس كل أشكال السيرك السياسي، معتقداً من خطف غزة أنه سيجد طريقة ما للتفاهم مع إسرائيل، في ظل مفاوضات الراعي الإقليمي لتواجد قيادتهم، و"وثيقة يوسف"هم ....
غزة لن تغرق رغم الخطف فربان الإنقاذ قادم.."
انتهت فقرات "زاوية أمد للاعلام" والتي كتبت في 15 يونيو 2007، وقد يرى من يقرأها الآن انها ليست مقالة عمرها 8 سنوات، وللحق ما زالت بعض الاستنتاجات التي وردت في حينه قائمة، حيث أن استمرار الانقسام هو "السلاح الإسرائيلي الأخطر" الذي تم استخدامه ليس لخطف غزة فحسب، فذلك ثمن تدفع له، ولا تأخذ منه، لكنه أدى عمليا وموضوعيا الى محاولة "خطف القضية الفلسطينية" برمتها، واعتقالها بفعل فاعل احتلالي وفاعل داخلي..
منطقيا كان من المفترض، ان يكون "خطف غزة" قوة تغيير ثورية للمشهد السياسي الفلسطيني، من حيث تعزيز قدرة "المؤسسة الوطنية" بكل أركانها، منظمة وسلطة، ادوات تنفيذية وتشريعية، كان لها أن تكون قاطرة لتمكين "وحدة القوى والفصائل الوطنية" كي تصبح "الجدار الواقي" من "لعنة الخطف - الانقسام"، وأن تدرك فتح قبل غيرها أن "اعادة سرقة جزء من الوطن" لن يكون بتلك الأدوات التي كانت، فلم يعد "الخطر السياسي" احتلالا اسرائيليا فحسب، بل انتقل الى "داخل الجسد الفلسطيني"..
كان مفترضا، أن تشهد الحلبة السياسية "ثورة سياسية تنظيمية" تمثل تطويرا خلاقا للثورة الفلسطينية المعارصة التي قادها الخالد ياسر عرفاتـ ليس فقط لتحمي المشروع الوطني من خطر "التهويد والاذابة الإسرائيلية" بل لتنقذه من "فيروس سرطاني دخل أحشاءه"، ولتنتفض لهزيمة المشروع المضاد بكل مسمياته، وبدء تحقيق الانتصار الكبير..
ولكن الأماني لم تصبح ممكنة، بل أنها ذهبت الى ما هو أخطر بكثير مما حدث في اليوم الأسود، حيث باتت "القضية الوطنية" برمتها مخطوفة من "قطبي الانقسام"، ما أدى لقدرة دولة الكيان الاحتلالي أن تمارس ما يحلو لها، من "تهويد غير مسبوق في القدس المحتلة، و"انتشار استيطاني بلا حساب لأرض الضفة الغربية، في حين أحالت قطاع غزة الى "منطقة سياسية عازلة" لإعادة الحالة الكيانية الفلسطينية الى طريق خلاصها التي بدأتها الثورة المعاصرة، نحو دولة فلسطينية كانت أقرب كثيرا مما يظن المنقسمين..
نكبة الإنقسام هي الأداة العملية لتنفيذ "خطف فلسطين" قضية وأرضا وشعبا، فدونها لم تكن دولة الكيان العنصري الاحتلالي من بداية تمرير مشروعها "الحلم"، بإنشاء مظاهر سياسية في الضفة تكون "شريكة لها في التقاسم الوظيفي المدني"، ودفع قطاع غزة نحو "بحر الانفصال" من خلال "مشهد كياني تحت السيطرة الأمنية" يغري بعض "المتصابين سياسيا بحلم السيطرة الكيانية" على أي "بقعة يمكنهم السيطرة عليها"، لتضع نهاية الى ذلك "الحلم الفلسطيني في قيام دولة فلسطين على بعض أرض فلسطين"..
انقلاب فانقلاب فانقسام فخطف فضياع..تلك هي مسار الأحداث خلال السنوات الثمان..
هل وصل الحال الى درجة الاستسلام لمشروع معادي أركانه لم تعد دولة الكيان العنصري فحسب، بل بات منها حاضرا في "الداخل الفلسطيني"، طرفين كل منهما يعمل موضوعيا لأدامة الانقسام الى أبعد مدى ممكن، بالتأكيد لا ولا كبيرة جدا، بل ومشرقة بقوة الفعل الفلسطيني الكامن، أن "الوطن ليس حقيبة" ليحلم طرفي النكبة الثالثة بحمل بعضا مما بها، بل هو "حقيبة يحملها أهلها" في سيرورة مستديمة نحو رفع راية الفلسطينية خالصة، ولتطرد كل "رايات الإنقسام" بتلاوينها المختلفة، ومعها "علم" العدو الاحتلالي..
من مفارقات المشهد السياسي، ان الانقسام طريق التهويد والاستيطان ومصادرة بعض أوجه الوطن، يحمل حضورا فلسطينيا عالميا، يشكل أداة ترجيح لإحياء "روح الانتصار"، فدولة الكيان تعيش حالة هلع أمام بروز سلاح لما تحسب له كثيرا في ملاحقتها لجني ثمار ما زرعت منذ الانقلاب الأسود، وابطال مفعول "القوة الرئيسية" للمشروع الوطني، انتفاضة سياسية ذات ابعاد متعددة الرؤوس، مقاطعة ملاحقة سياسية قانونية، رغم كل جهود "التعطيل الخارجي - الذاتي"..
دولة الكيان تقف أمام بوابة المحكمة الجنائية الدولية، فرصة تاريخية لم تكن متوفرة سابقا لأهل فلسطين، تحتاج فقط الى "دفعة صغيرة لا أكثر" لتدخل الى قفص الاتهام والادانة..لأول مرة هي وجيشها تحت رحمة موظف أممي بدرجة أمين عام للإمم المتحدة، ليشطبها من "قائمة العار" الورقية، دون ان يتمكن من شطبها من الحقيقة السياسية بأنها في القائمة السوداء..
"الانتفاضة السياسية الكونية تنمو بقوة سحرية، رغم انشغال قطبي الانقسام كل في تعزيز "ما خطف وما سرق من جسد القضية"..
قد يبدو أن المشهد في بعض ملامحه سوداوي، لكن الحقيقة تقول أن هناك قوة كامنة ستنفجر في لحظة ما، لتعيد رسم المشهد وأدواته لفرض "الحقيقة السياسية الفلسطينية"، خاصة وانها تمتلك قرارا دوليا اعترف بها دولة عضو مراقب في الأمم المتحدة، لن يستطيع احد ان يخطفه أو يشطبه، سيبرز بفعل فاعل لا زال منتظرا..
وتبقى خلاصة ما كتب في 15 يونيو 2007 بان "غزة لن تغرق رغم الخطف فربان الإنقاذ قادم.." نقول أن "فلسطين لن تغرق بظلام الانقسام - الخطف طويلا .. فربان الانقاذ قادم لا محالة"!
ملاحظة: أن تهدد دولة الكيان الرئاسة الفلسطينية بإعادة احتلال الضفة في 24 ساعة، لا يجمل جديدا، بل موضوعيا هي تحت الاحتلال "المخفف" للقيادات دون الشعب..لكن أن تستجيب للتهديد وتتوقف عن الفعل الى نهاية العام كما طلب منها "إسرائيليا" تلك هي المصيبة والوقاحة أيضا!
تنويه خاص: تصريح يحمل بعضا من "التفاؤل السياسي"، بأن تقرأ لمسؤول الداخلية الفلسطينية بقدرة المواطن اصدار جواز سفره في ذات يوم طلبه..كلام يؤكد جاهزية فلسطين لدولتها وتنتظر جهوزية قيادتها!
