غزة بين أنياب الحرب وانهيار البيئة: صرخة إنسانية تتجاوز الضجيج...

تابعنا على:   15:32 2026-04-14

د عبد الرحيم محمود جاموس

أمد/ في اللحظات التي ينشغل فيها العالم بخرائط الصراع الكبرى وتوازنات القوى، تتشكل في قطاع غزة مآسٍ أقل ضجيجًا لكنها أشد قسوة؛ مآسٍ تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، كاشفةً عن انهيار شامل لا يقتصر على القصف والدمار، بل يمتد إلى البيئة والصحة وكرامة الإنسان. لم يعد الخطر في غزة محصورًا بما تسقطه السماء، بل بما يزحف على الأرض أيضًا، في مشهد يعكس أقصى درجات الهشاشة التي يمكن أن يبلغها مجتمع محاصر ومنهك.
في شمال القطاع على وجه الخصوص، تتزايد الشهادات عن انتشار كثيف وغير مسبوق للقوارض، في بيئة مكتظة بالنازحين، تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة والصرف الصحي. هذه الظاهرة، بصرف النظر عن تفسيرها النهائي، لم تعد مجرد مؤشر بيئي، بل تحولت إلى أزمة إنسانية قائمة بذاتها، إذ باتت القوارض تمثل تهديدًا مباشرًا للبشر، خاصة الفئات الأكثر ضعفًا: الأطفال، المرضى، وكبار السن.
في خيام النزوح، حيث يختلط التعب بالخوف، لم يعد الليل زمنًا للراحة، بل مساحة مفتوحة للقلق والترقب. تسهر الأمهات خوفًا على أطفالهن، ويعيش المرضى—خاصة من فقدوا الإحساس بأطرافهم—في دائرة خطر صامت. هذه الشهادات، سواء كانت موثقة بالكامل أو لا تزال بحاجة إلى تحقيق مستقل، تعكس حقيقة لا جدال فيها: أن الإحساس بالأمان قد انهار بالكامل، وأن الحياة اليومية أصبحت ساحة تهديد مستمر.
علميًا، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن سياقها البيئي. فالقوارض تزدهر في البيئات المنهارة، حيث تتراكم النفايات، وتتعطل شبكات الصرف الصحي، وتغيب خدمات النظافة. في مثل هذه الظروف، يحدث ما يُعرف بـ"الانفجار البيئي"، حيث تتكاثر القوارض بسرعة، وقد تتغير أنماط سلوكها تحت ضغط الجوع والتكيف. ومع ذلك، فإن بعض الروايات التي تتحدث عن سلوك عدائي غير مألوف أو أحجام كبيرة تفتح باب التساؤل، لكنها تبقى ضمن دائرة الفرضيات التي لا يمكن الجزم بها دون تحقيق علمي مستقل وتحليل مخبري دقيق.
الأخطر هو البعد الصحي لهذه الظاهرة، إذ ترتبط القوارض بنقل أمراض خطيرة، وهي أمراض قد تتحول إلى أوبئة في بيئة تفتقر إلى الرعاية الطبية. ومع وجود مئات آلاف النازحين في ظروف صحية متدهورة، فإن أي تفشٍ وبائي لن يكون مجرد أزمة صحية، بل كارثة إنسانية صامتة تتفاقم بعيدًا عن عدسات الكاميرات.
في هذا السياق، يتداخل الإنساني مع القانوني. فوفق، تلتزم القوة القائمة بالاحتلال بضمان الحد الأدنى من الصحة العامة ومنع انتشار الأوبئة بين المدنيين. كما أن أي تدخل متعمد في خلق ظروف بيئية ممرضة—إن ثبت—قد يندرج ضمن انتهاكات جسيمة، وربما يتقاطع مع محظورات. غير أن إثبات ذلك يظل رهينًا بتحقيق دولي مستقل، يستند إلى الأدلة العلمية لا إلى الظنون أو الروايات المتداولة.
سياسيًا، تعكس هذه الأزمة خللًا عميقًا في إدارة الوضع الإنساني. فحين تُقيد المواد الأساسية، بما فيها أدوات مكافحة الآفات، تتفاقم الأزمات البيئية والصحية تلقائيًا. وسواء كان ذلك نتيجة سياسات مباشرة أو تعقيدات ميدانية، فإن النتيجة واحدة: مجتمع يُترك لمواجهة أخطار يمكن الحد منها، في ظل غياب الحد الأدنى من الحماية.
أما إعلاميًا، فإن التحدي لا يقل تعقيدًا. فبين واجب نقل الحقيقة وخطر التهويل، يقف الإعلام أمام اختبار مهني وأخلاقي. إن تجاهل هذه المعاناة يكرّس الصمت، بينما نقلها دون تحقق يضعف مصداقيتها. وبين هذا وذاك، تبقى الحاجة ملحة إلى رواية دقيقة، موثقة، تنقل صوت الضحايا دون أن تفقده قوته أو صدقيته.
في المحصلة، قد تختلف التفسيرات حول أسباب هذه الظاهرة، بين من يراها نتيجة طبيعية لانهيار بيئي شامل، ومن يطرح تساؤلات حول أبعاد أكثر تعقيدًا. لكن ما لا يمكن الاختلاف عليه هو أن سكان غزة يواجهون خطرًا حقيقيًا ومركبًا، يتجاوز حدود الحرب التقليدية إلى تهديدات تمس جوهر الحياة اليومية.
هذه ليست مجرد أزمة قوارض، بل مرآة لانهيار منظومة الحماية الإنسانية برمتها. ومن هنا، فإن الرسالة التي تخرج من غزة اليوم ليست سياسية بقدر ما هي إنسانية في جوهرها: إعادة الاعتبار لحق الإنسان في بيئة آمنة، في نوم بلا خوف، وفي جسد لا يتحول إلى ساحة مفتوحة لكل أشكال الانتهاك.
إنها صرخة لا تطلب المستحيل، بل الحد الأدنى من الكرامة: تدخل عاجل، تحقيق شفاف، وفتح المجال أمام ما يحمي الناس من أخطار يمكن للعالم—إن أراد—أن يمنعها.

اخر الأخبار