هيمنة الظل وسقف الحرب: قراءة في الديناميات الخفية للصراع مع إيران

تابعنا على:   14:27 2026-03-17

محمد المحسن

أمد/ لتشخيص المآلات الحقيقية للحرب المستعرة على إيران،لا يكفي تتبع نذر التصعيد أو خرائط القصف،بل يستلزم الأمر قراءة معمقة في فقه الأولويات الاستراتيجية لدى طرفي المعادلة الأساسيين: المُحرّض والمُنفّذ.هنا،يبدو التباين في الخطاب الرسمي بين واشنطن وتل أبيب بمثابة بوابات دخول إلى عقلية الحرب ذاتها. فالتصريحات الإسرائيلية،الأكثر جرأة وأقل تقيدا بغطاء الشرعية الدولية،ترسم السقف الحقيقي للأهداف،بعيدا عن المسكوت عنه في البيانات الأمريكية المصاغة بعناية.إنها "سياسة الأمر الواقع" التي تدفع بها إسرائيل،حيث يُصار إلى خلق وقائع ميدانية تفرض على الجميع إعادة حساباتهم.

في الجهة المقابلة،تتجلى دينامية أخرى لا تقل خطورة على الصعيد الإقليمي.فتصريحات الرئيس الأمريكي،ولا سيما تلك التي تعيد إنتاج سردية "الخطر الإيراني الوشيك"،لا تُقرأ فقط بوصفها مبررا للحرب،بل باعتبارها هندسة للفضاء السياسي الذي يُنتظر من الحلفاء الإقليميين التحرك داخله.إنها عملية إعادة ترميز للأولويات، حيث يتحول النشاط الإيراني في الجوار الخليجي إلى "التهديد الأكبر"،في وقت يطمس فيه هذا التكثيف الإعلامي عنف العمليات العسكرية الدائرة في العمق الإيراني.إنها استراتيجية قديمة/جديدة: "توطين الصراع" عبر تحميل البيئة الإقليمية مسؤولية احتوائه.

وما نشهده اليوم ليس حربا منعزلة،ولا حلقة مفككة من تاريخ المنطقة المضطرب.إنه بالأحرى الحلقة الأكثر تعقيدا في سلسلة صراعات إسرائيلية وجودية،بدأت مع حروب النكسة والتحرير،ومرت باجتياح بيروت الذي أعاد ترسيم حدود النفوذ للفصائل الفلسطينية،وصولً إلى حرب تموز التي أعادت تعريف قواعد الاشتباك مع حزب الله،وليس انتهاء بحرب الإبادة على غزة. في كل هذه المحطات،كانت إسرائيل تدير معاركها بمنطق "تراكمي"،فكل حرب تالية ليست سوى منصة انطلاق لتحقيق شروط سياسية وعسكرية أكثر تقدما،بدعم غربي لم يقتصر على السلاح،بل تعداه إلى إعادة هيكلة الخريطة الجيوسياسية للمنطقة عبر تغيير أنظمة (العراق 2003) وإضعاف دولة (سوريا 2024)،مما هيأ بيئة إقليمية أكثر تقبلا للمشروع الإسرائيلي.

وهنا تكمن عبقرية اللحظة الراهنة أو شراستها. فالحرب على غزة،وما تلاها من سيناريوهات "اليوم التالي"،لم تكن مجرد إدارة لأزمة،بل كانت مختبرا حقيقيا لصياغة نظام إقليمي جديد. "اليوم التالي لغزة"،الذي رعاه ترامب وتبناه حلفاء إقليميون،وتحول بهدوء من خطة لإعمار القطاع إلى خارطة طريق لشرعنة الدور الإسرائيلي كحارس للأمن الإقليمي.في هذه المعادلة الجديدة، لم تعد القضية الفلسطينية مجرد نزاع حدودي،بل تحولت إلى ذريعة لإعادة تعريف "السلام" ذاته على أنه قبول بالهيمنة الإسرائيلية.وفي هذا السياق وحده،يمكن فهم المواقف العربية المترددة إزاء الحرب على إيران،فهي مواقف محكومة باشتراطات مرحلة "اليوم التالي" التي تُبقي إيران خارج المشروع الإقليمي الجديد،بل وتجعل منها العقبة كأداء التي يجب إزالتها لاستكماله.

تتجاوز هذه الحرب،إذن،ثنائية المنتصر والمهزوم، لتصبح حربا على "مكان" إيران في النظام الإقليمي المستجد،وعلى "مكان" فلسطين في وجدان المنطقة.إنها صراع بين مشروعين متناقضين للهيمنة: مشروع إسرائيلي-أمريكي يسعى لفرض "سلام القوة" الذي يعيد تشكيل التحالفات على قاعدة المصالح الضيقة،ومشروع إيراني-وإن تراجع حضوره-يستند إلى خطاب مقاومة يجد صداه في عمق شعبوي متعطش لاستعادة الندية.غير أن المفارقة الأكثر إيلاما تبقى في أن هذه الحرب التي تُقرر فيها مصير المنطقة، تُشن اليوم بقدر كبير من الغياب العربي الفاعل، حيث تحولت بعض العواصم من فاعل في صنع القرار إلى مجرد مُتفاعل مع ضغوطه،مما يُنذر بمستقبل تكون فيه المنطقة أسيرة لإرادات خارجية وأجندات ضيقة،بينما تبقى الشعوب تدفع الثمن الأغلى في معادلة لا ناقة لها فيها ولا جمل.

في الختام،يمكن القول إن ما يجري ليس حربا تقليدية محدودة الأهداف،بقدر ما هو فصل مفصلي في إعادة هيكلة النظام الإقليمي برمته. إنها لحظة صراع مكشوف بين مشروعين للهيمنة، يتوسطهما غياب عربي فاعل يحوّل المنطقة إلى ساحة مفتوحة لإرادات خارجية وأجندات ضيقة. وفي هذه المعادلة الصفرية،حيث يُختزل المستقبل في منطق "المنتصر والمهزوم"،تبقى الشعوب تدفع الثمن الأغلى،بينما ترتهن مصائرها لحسابات تصاغ نتائجها في كواليس واشنطن وتل أبيب.

 

 

 

 

اخر الأخبار