واو فلسطيناه
د. محمد أبو سعدة
أمد/ ليس سرًّا أن الشعب الفلسطيني قد ذاق من المعاناة ما لم تذقه شعوب كثيرة؛ فقد قدّم التضحيات بالمال والبنين، وارتوت أرضه بدماء الشهداء، وعاش أجياله بين حصارٍ واحتلالٍ وفقدٍ دائم. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن بعض من خرجوا من رحم هذه المعاناة، ووصلوا إلى مواقع القرار والقيادة، ما لبثوا أن تنصّلوا من ذاكرة الألم، وبدأت ملامح الرفاه والبذخ تظهر عليهم وعلى دوائرهم الضيقة بشكل صارخ، إلا من رحم الله.
لقد بات هذا المشهد مألوفًا لدى قطاعات واسعة من الشعب؛ قيادات سياسية تتحدث باسم المعاناة، لكنها تعيش بعيدًا عنها، وتدير المشهد بمنطق الامتيازات لا بمنطق المسؤولية. ولم يعد الأمر مقتصرًا على استغلال النفوذ أو الانتفاع بالموقع السياسي، بل تجاوز ذلك في بعض الحالات إلى ما يمكن وصفه بالمتاجرة بمعاناة الناس وبالقضية الفلسطينية نفسها.
ومنذ لحظة الانقسام الفلسطيني، بدأت تتكشف ملامح هذا الخلل بوضوح. فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، اصطدمت بحسابات ضيقة تحكمها المصالح الحزبية والمحاصصة السياسية، حيث غلب سؤال النفوذ والغنيمة على سؤال الوطن والمصير. وهكذا أصبح الانقسام في كثير من الأحيان أداة لحماية المصالح أكثر منه خلافًا سياسيًا عابرًا.
إن أخطر ما أنتجته هذه البيئة هو تشكّل ثقافة نفعية داخل المجتمع؛ حيث ظهرت فئات صغيرة تسير على خطى بعض القيادات، تتاجر بمعاناة الناس تحت عناوين متعددة: مبادرات، لجان، أو مشاريع إنسانية. لكنها في واقع الأمر تحوّلت في بعض الأحيان إلى أدوات لاستغلال آلام الناس، والارتزاق من دم الشهيد وجرح الجريح ووجع الجائع.
بهذا المعنى، فإن الأزمة لم تعد أزمة سياسة فقط، بل أزمة قيم أيضًا. فالوطن لا يمكن أن يُبنى بعقلية الغنيمة، ولا يمكن أن تُصان قضية عادلة بأيدي من يرون في المعاناة فرصةً للربح.
إن استمرار هذا المسار لا يبشّر بخير؛ فلا دولة تُبنى، ولا مجتمع يتعافى، ما دامت قواعد اللعبة قائمة على الاستغلال، وما دام الصمت الشعبي يمنح الفساد شرعيةً غير معلنة.
ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على القيادات وحدها، بل تمتد إلى المجتمع نفسه. فالشعوب التي تقدّس الأشخاص وتبرّر أخطاءهم، إنما تشارك – ولو بالصمت – في إدامة الخلل.
لذلك، فإن النداء اليوم موجّه إلى العقلاء من أبناء هذا الشعب: ضعوا فلسطين أولًا، قبل الحزب والفصيل وقبل الحسابات الضيقة. لا تكونوا خدَمًا لطبقةٍ تتزيّن باسم القيادة وهي بعيدة عن معاناة الناس. واعلموا أن رضا الله أعظم من رضا الأحزاب، وأن الأوطان لا تبنى إلا بالعدل والتسامح والعلم والعمل الصادق.
أما الفهلوة والزعرنة وثقافة الاستقواء، فليست إلا طرقًا قصيرة نحو الهاوية، قد تضيّع شعبًا وقضية إن تُركت بلا مواجهة.
ففلسطين أكبر من الأحزاب، وأبقى من القيادات، وأطهر من أن تُختزل في مصالح ضيقة أو حسابات عابرة.
إذا رغبت، أستطيع أيضًا أن:
أجعله أقوى سياسيًا ليكون مناسبًا للنشر في صحيفة أو موقع دولي.
أو أضيف له خاتمة مؤثرة جدًا تجعله ينتشر على وسائل التواصل.
