غزة على مفترق طرق

تابعنا على:   13:45 2026-03-14

د. محمد أبو سعدة

أمد/ تمرّ غزة اليوم بمرحلة شديدة القسوة والتعقيد؛ فالأوضاع الإنسانية والاقتصادية والأمنية وصلت إلى مستوى يمكن وصفه بالكارثي. ورغم حجم المعاناة، فإن التعاطي مع هذه الكوارث ما زال يتأرجح بين إدارة متخبطة للأزمات أو حلول إغاثية مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة، بل تؤجل انفجارها. وفي ظل هذا الواقع، يبرز السؤال الأهم: إلى أين تتجه غزة؟

وفق المعطيات الراهنة، تبدو غزة أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة.

السيناريو الأول هو سيناريو المراوحة في المكان؛ أي استمرار الوضع القائم دون تغييرات جوهرية: لا انسحاب حقيقي يغير المعادلة، ولا إعمار واسع يعيد الحياة، ولا استقرار أمني مستدام. وهو ما يعني بقاء القطاع في حالة استنزاف طويلة الأمد، ضمن ما يمكن تسميته بسياسة “النفس الطويل”، حيث يظل السكان عالقين بين الحصار والدمار والانتظار.

أما السيناريو الثاني فهو عودة الحرب بشكل أو بآخر، وهو احتمال لا يزال قائمًا في ظل هشاشة الواقع السياسي والأمني. وفي هذا السيناريو قد تتجه إسرائيل إلى فرض ترتيبات ميدانية جديدة، من بينها دفع السكان إلى النزوح نحو مناطق محددة قد تُعرف بمناطق “الخط الأصفر”، مع إخضاع الحركة لتفتيش وإجراءات أمنية مشددة. مثل هذا المسار لن يعني سوى تعميق المعاناة الإنسانية وفتح فصل جديد من عدم الاستقرار.

في المقابل، يبرز السيناريو الثالث بوصفه فرصة أخيرة يمكن البناء عليها، ويتمثل في نجاح مشروع تشكيل لجنة إدارية لإدارة شؤون غزة. غير أن نجاح هذا الخيار مرهون بتجاوز المصالح الشخصية والحزبية الضيقة، والتخلي عن منطق المحاصصة الذي أثقل كاهل القضية الفلسطينية لسنوات طويلة. فهذه اللحظة التاريخية تتطلب قدرًا عاليًا من المسؤولية الوطنية من قبل السلطة الفلسطينية والفصائل والقوى السياسية كافة.

إن ما تحتاجه غزة اليوم ليس مجرد إدارة أزمة، بل رؤية وطنية جامعة تعيد ترتيب الأولويات على أساس أن فلسطين أكبر من الجميع. فالتنازل من أجل المصلحة الوطنية ليس ضعفًا، بل تعبير عن أعلى درجات المسؤولية، كما أن حماية مصالح شعبنا وتمسكه بأرضه وبقائه عليها يمثل أحد أرقى أشكال المقاومة.

إن إنقاذ غزة اليوم ليس خيارًا سياسيًا فحسب، بل واجب أخلاقي وتاريخي تجاه الأجيال القادمة. فالأطفال الذين يكبرون بين الركام والخيام يستحقون مستقبلًا مختلفًا، مستقبلًا أكثر عدلًا واستقرارًا. ولذلك فإن اللحظة الراهنة تستدعي من الجميع أن يتسابقوا لإنقاذ جيلٍ قد يكون، إذا ما أُحسن الاختيار اليوم، أفضل من جيلنا الذي أنهكه الانقسام

اخر الأخبار