الضفة الغربية بين ضغط الميدان وتعثر السياسة
عبد الباري فياض
أمد/ بينما تتجه بوصلة الاهتمام العالمي نحو خرائط الاشتباك الصاروخي في سماء المنطقة، ترزح الضفة الغربية المحتلة تحت وطأة واقع ميداني صامت في ضجيجه، لكنه شديد التأثير. لم تعد الجغرافيا الفلسطينية مجرد ساحة صراع محلي، بل تحولت في ظل تصعيد عام 2026 إلى خاصرة رخوة يُراد إحكام السيطرة عليها استباقاً لأي تحولات إقليمية، مما وضع سكان الضفة، خصوصاً في محافظات الشمال مثل جنين وطولكرم ونابلس، أمام تحديات وجودية تتجاوز البعد الأمني لتطال لقمة العيش وهدوء النفس في أقدس شهور السنة.
المشهد الميداني يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية للاحتلال، حيث لم يعد تعزيز القوات في أزقة المدن والقرى مجرد رد فعل على أحداث موضعية، بل أصبح جزءاً من استراتيجية "الإغلاق الشامل" للمجال العام. هذا التواجد العسكري المكثف، الذي يتزامن مع ملاحقة من يوصفون بـ"المطلوبين"، يأتي في وقت دخلت فيه مفاوضات القاهرة والدوحة حالة من الشلل؛ فالمسار الدبلوماسي الذي كان يهدف للتوصل إلى تهدئة أو صفقة تبادل توقف عملياً، تاركاً الساحة الفلسطينية في حالة ضباب سياسي تمنح الاحتلال غطاءً غير معلن لمواصلة سياسات القضم والاعتقال دون رقيب دولي حقيقي.
الأخطر بالنسبة للإنسان الفلسطيني اليوم ليس فقط صوت المجنزرات أو الاقتحامات الليلية، بل "الانكشاف الاقتصادي" الذي يهدد النسيج الاجتماعي بشكل مباشر. إن توقف المفاوضات والتوتر الإقليمي انعكس فوراً على حياة المواطنين عبر تشديد الحصار المالي؛ فاستمرار احتجاز أموال المقاصة ومنع آلاف العمال من الوصول إلى أماكن رزقهم خلف الخط الأخضر حوّل شهر رمضان الحالي إلى موسم من الضيق الاقتصادي غير المسبوق. الأسواق التي كانت تنبض بالحياة الروحية والشرائية في مواسم سابقة تبدو اليوم باهتة تحت وطأة الغلاء الفاحش وتآكل القدرة الشرائية لموظفي القطاع العام والعمال على حد سواء، مما يجعل الحديث عن "الاستقرار" ضرباً من الخيال ما لم يُعالج الشريان الاقتصادي النازف.
وعلى المستوى الرمزي، يمثل شهر رمضان اختباراً للصمود النفسي؛ فالناس الذين يأملون في لحظة سكينة للاحتفال بالعيد والتعافي من تراكمات الحرب يجدون أنفسهم محاصرين بين مطرقة الحواجز وسندان السياسات التي تهدف إلى تحويل القرى الفلسطينية إلى "جزر معزولة" اقتصادياً وأمنياً. إن رغبة الشارع الفلسطيني في العودة إلى حياة هادئة ليست تراجعاً في الهم الوطني، بقدر ما هي صرخة إنسانية تطالب بفصل الحاجات الأساسية عن المكايدات السياسية. الثمن الحقيقي لانسداد أفق المفاوضات لا يدفعه الساسة، بل رب الأسرة في نابلس أو الخليل وهو يبحث عن وسيلة لتأمين احتياجات عائلته في ظل واقع أمني متشدد.
ما تحتاجه الضفة الغربية اليوم هو مقاربة وطنية ودولية تعيد الاعتبار للمسار القانوني والإنساني كأولوية قبل حسابات "الأمننة" المفرطة. استغلال التوتر الإقليمي كذريعة لتحويل مدن الضفة إلى ساحات خلفية لتصفية الحسابات لن يؤدي إلا إلى انفجارات اجتماعية قد لا يجد من يضبط إيقاعها مستقبلاً. الأمن الحقيقي لا يتحقق بزيادة عدد الحواجز أو تكثيف الوجود العسكري، بل بفتح أفق سياسي يحترم كرامة المواطن ويضمن حقه في الحركة والعمل والعبادة بسلام.
تقف الضفة الغربية اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية تتطلب يقظة من كافة الأطراف. العيد القادم لن يحمل معنى الفرح إلا إذا اقترن بوقف حقيقي لسياسات العقاب الجماعي، وإدراك القوى الدولية أن الاستقرار لن يمر عبر تجاهل الحقوق الأساسية للفلسطينيين لصالح صراعات القوى الإقليمية. حماية المواطن البسيط من التهديدات الأمنية والضغوط المعيشية هي المقياس الحقيقي لأي نجاح سياسي مستقبلي، وبينما يظل الأمل في "عيد سلمي" قائماً، تبقى الحقيقة أن السلام يبدأ من البيت والمصنع والمسجد، بعيداً عن لغة الرصاص وصوت الطائرات العابرة للحدود.
