تونس في مرمى النار: التداعيات الاقتصادية والسياسية لحرب الشرق الأوسط

تابعنا على:   13:31 2026-03-10

محمد المحسن

أمد/ في الوقت الذي تشتعل فيه المنطقة بنيران حرب مفتوحة،تبدو تونس وكأنها تقف على حافة الهاوية.فبينما تبعد جغرافيا عن ساحات القتال الدائرة في الخليج،فإن هشاشة بنيتها الاقتصادية وارتباطاتها الدولية تجعلها في قلب العاصفة. الحرب الدائرة في الشرق الأوسط ليست مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار،بل هي واقع قاس يفرض نفسه على المطبخ التونسي،وقدرة الدولة على توفير الخبز والدواء،بل وعلى الاستقرار السياسي والاجتماعي للبلاد.

هذه الحرب تأتي في توقيت بالغ الدقة،لتضرب اقتصادا تونسيا يعاني أصلا من عجز مزمن في الميزان التجاري ومديونية خارجية مرتفعة. والأخطر أنها تفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة،بعضها أشبه بكوابيس اقتصادية قد تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع في تونس.

عندما أقرت تونس ميزانيتها لسنة 2026،بنتها على فرضية سعر برميل النفط في حدود 63.3 دولارا.لكن المعطيات الميدانية اليوم تشير إلى تجاوز سعر البرميل حاجز 84 دولارا،مع توقعات بمزيد من الارتفاع.هذا الفارق ليس مجرد رقم في التقارير الاقتصادية،بل هو عبء إضافي يثقل كاهل الخزينة التونسية.

ويكشف الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي عن معادلة صارمة: "كل دولار يرتفع أكثر من فرضية ميزانية الدولة،ويضيف تكلفة بـ160 مليون دينار في ميزانية الدولة،وكل زيادة بـ10 دولارات تزيد في التضخم المالي ما بين 0.3 و0.5 نقطة" . بهذه البساطة الرياضية،تتحول الأحداث الجيوسياسية في مضيق هرمز إلى أرقام حمراء في سجلات وزارة المالية.

لكن المفارقة اللافتة أن تونس تبدو في منأى نسبيا عن خطر انقطاع الإمدادات المباشر.فقد طمأن كاتب الدولة المكلف بالانتقال الطاقي،وائل شوشان،الرأي العام بأن "عقود توريد الغاز الطبيعي تتم أساسا مع الجزائر وعدد من الدول الأوروبية، والنفط الخام يأتي من أذربيجان"،مؤكدا أن هذه الإمدادات لا تمر عبر مضيق هرمز،كما أن الاحتياطيات الاستراتيجية تكفي لتغطية الاحتياجات لفترة تصل إلى 90 يوما.هذا يعني أن تونس قد لا تتوقف محطات الكهرباء لديها عن العمل،لكن المشكلة الأكبر تكمن في الثمن.

في ذات السياق،يقدم تحليل أستاذ الإقتصاد رضا الشكندالي أربعة سيناريوهات متدرجة الخطورة،وكأنها خريطة لكوابيس محتملة تنتظر التونسيين :

السيناريو الأول (الأقرب للواقع) يتحدث عن سعر نفط عند 84.5 دولار،ما يعني عجزا إضافيا في الميزانية يتراوح بين 1.6 و3 مليارات دينار.هنا،لا يزال الاقتصاد قادرا على الامتصاص،مع إمكانية الزيادة في الأجور شريطة الموازنة مع الانتدابات في الوظيفة العمومية .

السيناريو الثاني يرسم صورة أكثر قتامة: تجاوز سعر النفط عتبة 100 دولار،خاصة مع اضطراب الإمدادات والغلق الجزئي لمضيق هرمز.هنا تقفز الكلفة الإضافية إلى ما بين 4 و6 مليارات دينار. وهذا يعني قرارات صعبة: تجميد الزيادات في الأجور،أو تخفيض نفقات التنمية،أو اللجوء إلى إصلاح منظومة الدعم عبر قانون مالية تكميلي .

السيناريو الثالث يأخذنا إلى صدمة شبيهة بأزمتي 1973 أو 2008: إغلاق كامل لمضيق هرمز أو ضرب منشآت نفطية كبرى.والعجز هنا قد يصل إلى 9 مليارات دينار،مع ضغوط كبيرة على الدينار التونسي،وارتفاع التضخم إلى 1.7 نقطة مئوية. وهذا يستدعي إجراءات تقشفية كبرى وقانون طوارئ مالية .

أما السيناريو الرابع،فيرسم صورة يوم القيامة الاقتصادية: توسع الحرب دوليا بدخول الصين وروسيا من ناحية وأوروبا من الأخرى.هنا تصبح الكلفة الإضافية مهولة،قد تصل إلى 14 مليار دينار مع تضخم يقفز 2.6 نقطة مئوية .

ولا تقتصر التداعيات على قطاع الطاقة وحده. فقطاع السياحة،الذي يشكل أحد الموارد الرئيسية للبلاد من العملة الصعبة،يجد نفسه في موقف المترقب الحائر.فكما يوضح جلال الدين الهنشيري،نائب رئيس الجامعة التونسية للنزل، فإن "السياحة تعد من أكثر القطاعات حساسية تجاه المتغيرات الدولية،والمسافرون أصبحوا اليوم أكثر وعيا بالمتغيرات الجيوسياسية" .

والمشكلة أن تونس تدفع ثمنا لجوارها الجغرافي مع منطقة ملتهبة،حتى وهي بعيدة عن النار. فالعديد من السياح الأوروبيين قد يخلطون بين دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط،فيقررون تأجيل رحلاتهم أو إلغاءها.وبالإضافة إلى ذلك،فإن ارتفاع أسعار المحروقات عالميا سيرفع كلفة النقل الجوي،مما قد يحد من قدرة السياح على التنقل، ويقلص قدرتهم الشرائية خلال إقامتهم .

هناك عامل آخر لا يقل خطورة: تحويلات التونسيين بالخارج.فهذه التحويلات تمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة للبلاد.لكن الحرب تهدد هذا الشريان من جهتين: الأولى من الخليج،حيث يؤدي تعطل النشاط الاقتصادي إلى تراجع تحويلات التونسيين العاملين هناك.والثانية من أوروبا،حيث يؤدي ارتفاع الأسعار وتضخم الفائدة إلى تراجع المقدرة الشرائية للتونسيين المقيمين، وبالتالي تراجع قدرتهم على التحويل .

الخبير ماهر قعيدة يضيف بعدا آخر: فرض قيود على التنقل في دول الخليج قد يؤثر على قدرة الجالية التونسية هناك على التنقل إلى تونس خلال فترات التوتر .

أما على المستوى السياسي،لم تقف تونس مكتوفة الأيدي.فقد سارعت وزارة الخارجية إلى إصدار بيان أكدت فيه "انشغالها العميق وقلقها الشديد من التصعيد العسكري الخطير"،وجددت تمسكها باحترام مبدأ سيادة الدول،وإدانتها كل اعتداء على أراضي أي دولة .

لكن الموقف التونسي يتجاوز الإدانة إلى اتخاذ إجراءات عملية لحماية أبنائها.فقد أصدرت سفارات تونس في عمان والدوحة ودبي بلاغات تحذيرية لأفراد الجالية تدعوهم إلى توخي الحيطة والحذر والالتزام بتعليمات السلطات المحلية.هذه التحركات تعكس قلقا حقيقيا من امتداد رقعة الصراع،وتحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة.

على الساحة الداخلية،انعكست الحرب في الشرق الأوسط على المشهد السياسي التونسي،حيث تباينت مواقف الأحزاب.فبينما أصدر حزب التيار الديمقراطي بيانا شديد اللهجة أدان فيه الهجوم ووصفه بأنه "جريمة سياسية وعسكرية"،دعت حركة الشعب إلى التحرك العاجل لإدانة الهجوم، واعتبرت أن استهداف إيران يندرج ضمن مخطط أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة . بل إن حركة "تونس إلى الأمام" دعت إلى تنظيم تحركات ميدانية دعما لإيران،وهو ما يعكس انقساما في قراءة المشهد الإقليمي.

هناك بعد آخر لا يمكن تجاهله عند الحديث عن التداعيات السياسية والأمنية للحرب.فرغم أن الحرب الحالية تدور في الخليج،فإن تاريخ تونس مع النزاعات في المنطقة يحمل دروسا قاسية.فقد كشفت بيانات وزارة الداخلية عن عودة 1715 مقاتلا تونسيا من مناطق النزاع في الخارج،خاصة في سوريا والعراق وليبيا .

ورغم أن الوزارة تؤكد أن "الوضع الأمني العام في البلاد يتسم بحالة من الاستقرار النسبي"،وأن القوات الأمنية تمكنت خلال سنة 2025 من تفكيك 62 خلية إرهابية واعتقال أكثر من ألفي شخص متورط في قضايا إرهابية ،إلا أن أي تصعيد جديد في المنطقة قد ينعكس على الوضع الداخلي،خاصة إذا ما استقطبت الحرب الجديدة عناصر متطرفة جديدة.

ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد صراع بعيد عن تونس.إنه اختبار وجودي لاقتصاد هش،ونموذج سياسي يبحث عن استقراره، ومجتمع يئن تحت وطأة أزمات متراكمة.وتونس اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تنجح في امتصاص الصدمة عبر إصلاحات جريئة،خاصة في قطاع الطاقة،أو أن تجد نفسها مجبرة على خيارات تقشفية قاسية قد تعيد إنتاج احتجاجات 2018 و2021 ولكن بصورة أكثر عنفا.

الأكيد أن المنطقة تتجه نحو إعادة تشكيل خارطتها الجيوسياسية،كما يشير الشكندالي: "أمريكا تبحث عن السيناريو الأخطر لرسم الخارطة الجديدة للشرق الأوسط،وهو توسع رقعة الحرب إلى بلدان أخرى".وفي هذه اللعبة الكبرى، تبقى تونس،بحجمها الاقتصادي المحدود وموقعها الجيوسياسي الحساس،رهينة لأحداث لا تملك التحكم فيها،لكنها ستدفع فاتورتها غاليا.

ويبقى السؤال الوحيد: كم ستبلغ قيمة هذه الفاتورة،وهل يستطيع التونسيون تحملها؟!

الخلاصة: تونس بين فكَّي الجغرافيا والتاريخ:

ليست تونس بمنأى عن حرائق الشرق الأوسط،كما لم تكن يوما في منأى عن تحولاته الكبرى. فموقعها الجغرافي وتاريخها المشترك مع المشرق العربي يجعلانها متصلة بمصير المنطقة،متأثرة بانفعالاتها،تدفع فاتورة حروب لم تشعلها وأزمات لم تصنعها.

وما تواجهه تونس اليوم ليس مجرد صدمة اقتصادية عابرة،بل اختبار وجودي لمدى قدرتها على الصمود في عاصفة عالمية تعيد تشكيل خريطة الطاقة والتحالفات.وأمامها طريقان لا ثالث لهما: إما الاستمرار في سياسة التفاعل مع الصدمات بمنطق المسكنات والإجراءات الترقيعية،وهو ما سيزيد من انكشافها وهشاشتها، أو الانخراط بجرأة في إصلاحات هيكلية عميقة تعيد بناء اقتصادها على أسس أكثر مرونة واكتفاء،وتنوع شراكاتها الدولية لتخفف من تبعيتها لأي محور أو قطب.

حرب الشرق الأوسط تذكير قاسٍ بأن الهشاشة الداخلية تجعل الدول رهينة للأحداث الخارجية. ولعل وعي التونسيين بهذه المعادلة،وبأن مستقبلهم الاقتصادي لم يعد منفصلا عن فصول الصراع الكبرى في المنطقة،هو الخطوة الأولى نحو بناء قدرة وطنية على امتصاص الصدمات، وتحويل التهديدات الوجودية إلى فرص لإعادة البناء.فتونس اليوم ليست بمنأى عن النيران،لكنها قد تكون قادرة على تعلم دروس النار.

اخر الأخبار