إعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط: صراع المشاريع..وانزياح التحالفات

تابعنا على:   15:24 2026-03-07

محمد المحسن

أمد/ في مشهدٍ يضج بالتحولات الجيوسياسية الكبرى، يشهد الشرق الأوسط لحظة فاصلة قد تعيد تشكيل هويته السياسية لعقود قادمة.فما كان يُعرف بثوابت الخريطة التي رسمتها اتفاقية "سايكس-بيكو" قبل أكثر من قرن يبدو اليوم وكأنه يذوب تحت وطأة صراع وجودي مفتوح،لا يقتصر على تغيير الأنظمة أو تحقيق مكاسب آنية، بل يمتد ليشمل إعادة تعريف مفهوم الدولة والتحالفات والنفوذ من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي .

هذه اللحظة التاريخية لم تأت من فراغ،بل هي نتاج تصدّع واضح في بنية النظام الإقليمي القائم. فالضربة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت طهران،وأدت إلى اغتيال عدد من كبار القيادات وفي مقدمتهم آية الله علي خامنئي، لم تكن مجرد جولة عنف جديدة في صراع طويل، بل مثلت زلزالا استراتيجيا كشف عن هشاشة الكيانات التي بدت لعقود متماسكة.إنها الحرب التي طال انتظارها،والتي قد تنسف ما تبقى من ترتيبات إقليمية هشة.

وفي قلب هذا الزلزال،يبرز مشهدان متناقضان يعكسان عمق التحول.فمن ناحية،تبدو إيران وحلفاؤها في حالة انهيار وتسارع نحو الهاوية. فـ"الهلال الشيعي" الذي طالما مثّل كابوسا لجيران إيران ولإسرائيل،يتفكك تحت وطأة الضربات العسكرية وانكشاف محدودية نفوذ طهران.فبدون "حذاء الحرس الثوري" في بيروت ودمشق وصنعاء،يجد المحيط السني الذي طالما قاتل النفوذ الإيراني نفسه في موقع المتفرج على انهيار خصمه دون أن يكون بالضرورة قادرا على ملء الفراغ.هذا الوضع يضع الدول العربية المعتدلة، التي كانت تحلم بتفكيك هذا الهلال،أمام مفارقة تاريخية:لقد حققت هدفها على يد إسرائيل،ولكن الثمن هو إعادة رسم الخريطة بطريقة قد لا تكون فيها الدولة القومية كما عرفناها هي الفائز الأكبر .

على الجانب الآخر من الطيف،يبرز سيناريو أكثر تعقيدا.فبينما تتجه الأنظار نحو طهران التي تحاول لملمة جراحها وتعيين خلفاء جدد في ظل مجلس مؤقت،فإن الدول الكبرى في المنطقة تتخذ مواقعها بحذر شديد.تركيا،التي وجدت في حالة السيولة الإقليمية فرصة لتعزيز نفوذها، تتحرك بحذر على خطين متناقضين،فهي تعزز تعاونها مع السعودية ومصر في إطار ما يمكن تسميته "محور الاعتدال الجديد"،بينما تقدم التعازي للشعب الإيراني في فقدان مرشده الأعلى. إنها سياسة القنوات المفتوحة مع الجميع،تحسبا لأي طارئ.

لكن أكثر ما يلفت الانتباه في إعادة التشكيل الجارية هو الدور المتنامي للجهات غير الحكومية. ففي الوقت الذي تترنح فيه الدول المركزية،تبرز كيانات قبلية وعشائرية وانفصالية كعناصر فاعلة في المعادلة.الأكراد،الذين يمتلكون قصة وطنية متماسكة وإرادة حديدية،يُنظر إليهم اليوم كأحد الأوراق الرابحة في أي تسوية مقبلة،خاصة في سوريا وإيران.وفي اليمن،يستمر الحوثيون كورقة ضغط بيد طهران رغم الضربات،بينما يزداد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي بدعم إماراتي،مما يهدد بتقسيم فعلي للدولة اليمنية.هذا الصعود للفاعلين غير الدوليين يحول المنطقة إلى فسيفساء معقدة، حيث تتداخل الحدود وتتشابك الولاءات،مما يجعل فكرة "الدولة" ذاتها مهددة في أكثر من مكان.

وعلى الرغم من أن إسرائيل تبدو للوهلة الأولى المستفيد الأكبر من تدمير قدرات "محور المقاومة"،إلا أن الصورة الأكبر تشير إلى عزلة استراتيجية متزايدة لها.فالمعادلة الإقليمية لم تعد ثنائية (محور مقاومة مقابل محور اعتدال)،بل تحولت إلى ساحة متعددة الأقطاب تتشكل فيها تحالفات جديدة قد لا تكون إسرائيل طرفا فيها بالضرورة.فالتقارب التركي المصري السعودي الواضح،والانخراط الخليجي في علاقات متوازنة مع طهران (بما في ذلك قطر والإمارات والكويت) يظهران أن دول المنطقة تبحث عن "تأمين المخاطر"عبر عدم وضع كل البيض في سلة واحدة.

هذا التحرك نابع من قناعة راسخة بأن الاعتماد المطلق على واشنطن لم يعد كافيا.فالإدارة الأمريكية الحالية،وإن كانت داعمة بقوة لإسرائيل، تنتهج سياسة انتهازية تركز على تحقيق مكاسب سريعة (كضرب المنشآت النووية) دون تقديم رؤية متكاملة لإعادة الإعمار أو الاستقرار طويل المدى.هذا التردد الأمريكي يُشعر حلفاءها في الخليج بأنهم في مرمى النيران دون أن يكون لديهم ضمانات حاسمة.ولذلك،نرى دول الخليج تسرع الخطى نحو تنويع علاقاتها الدولية،سواء مع الصين أو روسيا أو حتى أوروبا،في محاولة لبناء شبكة أمان تتجاوز المظلة الأمريكية.

يبقى السؤال المصيري: إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟ هل نحن أمام عصر "سايكس-بيكو" جديد يعيد ترسيم الحدود على أسس قبلية وعرقية؟ أم أن المنطقة ستشهد بروز "دول فاشلة" ممتدة من ليبيا إلى اليمن،مع جيوب للسيطرة المنفلتة؟!

 ما يبدو مؤكدا أن النفوذ الإيراني التقليدي تراجع بشكل غير مسبوق،وأن المشروع الإسرائيلي الطامح للهيمنة يواجه جدارا من الرفض الصامت لكنه قاسٍ.أما الدول العربية الكبرى،فتجد نفسها مضطرة للعب دور "صانع الاستقرار" في منطقة تغلي،ليس دفاعا عن قضية بعينها،بل دفاعا عن بقائها في عالم يتحول بسرعة نحو القطب الواحد المتعدد الأقطاب. 

الشرق الأوسط الجديد الذي يولد اليوم على أنقاض الأمس لن يكون أكثر استقرارا،لكنه سيكون بلا شك أكثر تشظيا وأكثر قابلية للانفجار في أي لحظة.

لست أحلم..لكنه الإيمان الأكثر دقة في لحظات التاريخ السوداء من حسابات واشنطن وتل أبيب.

اخر الأخبار