من غزة الى طهران.. الأرض كلها طوفان
صالح عوض
أمد/ لقد كانت الساعة صفر للطوفان بمثابة الضربة القوية في جدار السكون والتردد والفوضى والعبثية في المنطقة .. ضربة غيرت مسار الأحداث واربكت صانع الاجندات.. ضربة في غير سياق التطور المنظور في العلاقات الاقليمية والتي كانت تسير الى تطبيع شامل للإقليم مع الكيان الصهيوني فكانت صدمة كافية لكي تحدث التصدع والاهتزاز العنيف في المحلي والاقليمي والدولي ما يعني ان هناك تغيرات عميقة في كل شيء في الافهام والوقائع والتحالفات والعلاقات ليس فقط على المستوى المحلي بل والاقليمي والدولي.. الساعة صفر في انطلاق الطوفان كانت بداية فتح الافاق أمام المواجهة التاريخية بين الأمة والمشروع الصهيوأمريكي كما كانت بداية انتصار الضمير الانساني وانكشاف امبراطورية الشر.
وعبر سنتين كانت غزة تدفع الثمن الأكبر لعملية الطوفان ولقد كان لمقاومتها كما لتضحياتها الاثر العميق في كل ما سيأتي لاحقا.. انطلقت غزة منفردة في عمل اسطوري ولقد فاجأت الصديق والعدو بهذا الفعل الكبير والذي اعتبره كبار المحللين الاستراتيجيين اعظم هجوم عسكري خلال العقود الاخيرة يحقق هذا النجاح المذهل.. التحق اليمن بالملحمة واستمر طيلة اشهر الملحمة مساندا ومشتركا في معركة الطوفان وكما تدخل الحزب بالإسناد اشهرا طويلة قبل ان يتم توجيه ضربات عنيفة لقيادة الحزب وكوادره .. فيما ظل الموقف الايراني المؤيد والداعم للمقاومة هو الوحيد في وضوحه والتزامه.. فكان الحزب واليمن وايران هما جبهة الاسناد الحقيقية للمقاومة الفلسطينية مما عرضهما بشكل مباشر لعدوان صهيوأمريكي سافر وقاس..
بانوراما الموقف الايراني:
لابد من الاقتراب من الموقف الايراني لفهمه وتقديمه على حقيقته فلقد ابتلي كثير من قومنا بالأحكام السطحية والظنية والمواقف المسبقة المشحونة بأزمات التاريخ وعقد التوترات غير المنطقية.. فانسحي كثير منا الى المنهج القومي في فهم الموقف الايراني وآخرون انطلقوا من مرجعيات طائفية.. وآخرون من بواعث علمانية مختلطة بأبعاد طائفية وقومية.. وهذا ما عقد المسألة وحال دون فهم حقيقي لما يدور في إيران وفي العقل السياسي الايراني .
الموقف الايراني والمقصود بموقف النظام الايراني والعصبة التي تتحكم في مقاليد الأمور والتي أسست الجمهورية الاسلامية يحتاج قراءة هادئة منصفة موضوعية لكي نصل الى حقيقته ونتعامل بوعي معها.. وهنا ينبغي اجراء عملية دراسة للخلفيات والرؤية والسلوك اذ ان الموقف الايراني تجاه القضية الفلسطينية ليس من باب الموقف المساند فقط والمؤيد معنويا وماديا كما تفعل كثير من الدول الوطنية والثورية، ولكنه تحصيل حاصل لمساق فكري عقائدي ورؤية كونية انه الموقف الذي يترجم عقيدة النظام السياسي في ايران تجاه العالم وما تدفع اليه الرؤية العقائدية نحو عدة قضايا الامر الذي يجعل من الوقوف مع المقاومة الفلسطينية انما هو رمز للاشتباك المتنوع في ملفات عديدة.. وهي جملة قضايا الامة بدءا من التحرر من التغريب والتبعية والتجزئة والتصدي لسياسة الاشرار العالمين اصحاب الرؤى الامبريالية وتتويج ذللك كله قضية القدس.. فكان انشغالها بهذه القضايا كافيا بجعلها قاطرة النهضة والانطلاق نحو المواجهة المتعددة ضد الاستعماريين لفرض واقع جديد لصالح الامة
ماهي مرجعيات سلوك الجمهورية الاسلامية تجاه القضايا العديدة التي تقف قضية فلسطين عنوانا اساسيا لها.. ؟؟
في البداية كان التأكيد على البعد العقائدي الاسلامي المتمكن لدى جيل الرواد في ايران وفي هذا الباب يجب النظر الى الثورة التي احدثها الامام الخميني وتلامذته في المفاهيم السياسية الشيعية التي اهلتهم الى صناعة واقع سياسي اجتماعي ثقافي يحمل مشروعا اسلاميا يعالج القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية سواء.. وهذا المسار لم يكن له ان يبرز قبل التحرر من مرتكزات تحكمت في الفكر الشيعي قرونا عديدة كالتقية والانتظار.. ولقد كان الانفتاح على الفكر الاسلامي السني في عقوده الاخير الاثر البالغ في تطوير الفكر السياسي الشيعي لدى هذا الجيل المتميز وكانت محاضرات كتاب الحكومة الاسلامية للإمام الخميني صاحبة الفضل في احداث الثورة الفكرية العميقة ورسم معالم الطريق نحو حكومة اسلامية.
لم تكن هذه الرؤية مكتفية بموضوعة اقامة الحدود والدعوة الى مكارم الاخلاق انما كانت بحاثة عن اسباب الظلم والفساد العالمي والذي يشرف عليه الاشرار -عصابة المال العالمي- المتحكمة في سياسات الولايات المتحدة الامريكية فكانت اقامة الحكومة الاسلامية المستقلة عن سياسات الاستعماريين خطوة اساسية وقاعدة ضرورية لنشر العدل والتصدي للظلم و هذا يستوجب استنهاض الامة وطرد عوامل التفرقة والوهن وهو يستوجب كذلك وحدة الامة لمواجهة الاعداء الجاثمين على صدرها والناهبين لثرواتها.. وهنا قدمت الاطروحة البعد السياسي للاسلام وابرزته بجلاء تجاه الاحداث العالمية لاسيما الاقليمية والمحلية ومن هنا كانت النظرة المرتابة نحو كل ما يأتي من الغرب لاسيما امريكا على اعتبار ان الادارة الامريكية شيطان أكبر..
في الرؤية الكلية هذه تبرز قضية فلسطين ليس فقط على الصعيد العقائدي وليس فقط على الصعيد السياسي المحدود وليس فقط على صعيد الاسناد لقضية عادلة انما كتتويج للصراع الواسع مع قوى الشر العالمية وكرمز لقضايا الصراع العالمية جميعا.. فكانت قضية فلسطيني اكبر من كونها قضية وطنية او سياسية او قومية انها قضية عبادة مثلى كما جعل الامام الخميني اخر يوم جمعة من رمضان يوما للقدس يوما فاصلا بين الاسلام وغيره.. دعا الى اقامة يوم القدس العالمي على اعتبار ديني وسياسي ووطني وقومي واستنهضا الامة لتحيي شعائر الاسلام فيه على اعتبار انه يوم الاسلام.
من هنا لم تدخر الجمهورية الاسلامية وسعا في توفير كل شروط نجاح هذا المشروع التحرري في اتجاه القدس وكان دعم كل بادرة ثورة ومحاولة نهضة شغلا شاغلا للثورة الايرانية.. ومن هنا وجدت المحاولات الثورية في ايران ملجأ لها رغم الحصار الذي فرض عليها منذ ايامها الاولى وبعيدا عن كثافة الدعايات الطائفية والعلمانية والقومجية استمر دعم ايران لكل مبادرة مقاومة ضد الكيان الصهيوني على الاعتبارات السابقة جميعا.
من هنا كانت العقود الاخيرة المتلبسة بالحصار والعقوبات فاحصا حقيقيا وشاهدا جليا على موقف قوي ثابت غير متردد في دعم المقاومة الفلسطينية في الحين الذي تخلت فيه الامة كلها عن دعم المقاومة الفلسطينية.. ومن هنا بالضبط يمكن فهم مرجعيات الموقف الايراني والسلوك الايراني.. فالمسألة ليست مبنية على واقع العلاقة مع الدول العربية ولا على مصالح خاصة فمثل هذين البعدين ينأيان بإيران عن الدخول في هذا الصراع الملغم والذي يستنفر كل قوى الشر العالمي.
لماذا يستهدفون إيران:
لقد بذلوا جهودا كبيرة من خلال العنف والسياسة لحرف الثورة عن خطها الأصيل فلقد حركوا قوى محلية من بقا النظام ومجموعات مسلحة استهدفت قيادات البلد ورموز الثورة الايرانية ودفعوا بالدول الخليجية لتقف خلف النظام العراقي في حرب السنوات الثمان التي ارهقت الثورة وذلك في ظل حصار وعقوبات متوالية على ايران.. ورغم الحصار المستمر منذ 47 عام لم تعدل ايران خطها الفكري والسياسي وذلك لانطلاقه من رؤية عقائدية متماسكة مرتبطة برؤية سياسية عميقة.. لم يتوقف الامر عند حدود الحصار والعقوبات بل ولعلهم لجأوا احيانا الى محاولات الاغراء والترغيب ولكن كل محاولاتهم فشلت امام رؤية وعقيدة متماسكة.. وهذا يعني بوضوح ان ايران هي القوة الوحيدة التي تتصدى للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة وانها سوف تكون العقبة الكؤود امام الخطط والبرامج القادمة في المنطقة..
اقترب الصهاينة والامريكان من تنفيذ مشروعهم الاقليمي الكبير المعنون بشرق اوسط جديد واعلان ترمب ان اسرائيل الصغيرة لابد ان تتوسع في الاقليم.. ومن هنا برزوا بتوضيح اهدافهم شرق أوسط جديد اي دولة بين الفرات والنيل أي بسط سيادتهم على المنطقة العربية قلب العرب ووضع يدهم على ثوراتها واقامة الامبراطورية الاسرائيلية في قارة العرب.. وهذا ما اعلنه قبل أيام قليلة سفير امريكا بتل أبيب انه من حق الكيان الصهيوني التمدد واقامة دولتهم على الارض الواقعة بين النيل والفرات.. ولقد هياوا لذلك بتحطيم بلاد الشام والعراق تحطيما شاملا يهيئون من خلاله حسب تصورهم لقيام المشروع الامبريالي على البقعة العربية التاريخية.. ولقد ساقوا الدول العربية المحيطة لبلاد الشام والعراق الى تطبيع شامل وصل الى حد تغيير الدين والخاص من المعتقدات فضلا عن شراكة امنية واقتصادية استراتيجية مع الكيان الصهيوني.. واصبح كل شيء جاهز للانطلاق نحو الخطوة النهائية لتشكيل شرق اوسط جديد كما صرح بذلك نتنياهو مرارا.. ولكنهم يرون في ايران الخطر الماثل ضد مشروعهم التوسعي..
صحيح ان ايران لا تقع بين النيلين.. فلماذا جاءت الحرب تستهدفها بشكل ساحق ..؟ لماذا تمنع إيران من المعامل الذرية في حين يسمح لسواها في الهند وباكستان؟ وهذا السؤال يعني أنهم يدركون دور ايران وتوجهها وسياستها المناهضة عمليا لمشروعهم ورؤيتهم الفكرية والسياسية والثقافية بشكل ثوري تماما.
لقد أقاموا خطا عازلا عنيفا مدججا بالأسلحة المتطورة على امتداد الخليج العربي في قواعد عسكرية على طول الخليج من الجهة العربية وعززوا ثقافة طائفية قومية في نخب المنطقة لتكون مصدا طبيعيا لأي تحرك إيراني لإنقاذ منطقة ما بين النيلين".بلاد الشام والعراق" ..هذا يعطي الإجابة واضحة على سؤال ماذا يريدون بهجومهم على ايران ؟ما هو هدفهم الاستراتيجي؟
انهم يريدون تحطيم اي قوة اقليمية في المنطقة تحول دون تحقيق هدفهم الاستراتيجي .. فبلاد الشام سورية لبنان فلسطين الاردن ممزقة مهشمة لا تصمد وكذلك العراق .. وسيناء غير مسلحة بما يكفي.. ولذلك سيكون من السهل امام الجيش الاسرائيلي التوسع في كل بلاد الشام والعراق وسيناء في حال القضاء على القوة العسكرية الايديولوجية المضادة.. وسيكون الامر سهلا جدا عليهم حسب وجهة نظرهم بعد اسقاط ايران ان يتقدموا لسيناء ويفرضوا امرا واقعا.. ولابد لهم بعد ذلك من تحجيم قدرات تركيا وضرب اقتصادها وتحريك الصراعات الاثنية فيها وهذا امر لابد منه لكي تستقر إمبراطوريتهم.
هكذا يبدو الاصرار على تكسير القوة الايرانية التي رفضت المساومة والتنازل عن فلسطين.. وسيظل هدف تدمير القوة الايرانية ماثلا لكي يتمكن المشروع الصهيوني إكمال المهمة.. ولقد أصبح من غير الوارد وجود قيادة إيرانية خانعة أو قوى معارضة حقيقية فلقد أذهلهم خروج الشعب الإيراني بخروجه تحت وابل الصواريخ يهتف ضد امريكا ويجدد التزامه بقيادته كما ان الامريكان والصهاينة اذهلوا لتماسك النظام وتحركه بلياقة عالية وتعويض موقع المرشد الشهيد بسرعة فائقة.
كلمة لابد منها:
المعركة الحالية بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل وخلفها حلفائها وأذيالها هي معركة تاريخية من تلك المعارك التي يكون ما بعدها ليس كما كان قبلها.. وكل يوم جديد في المواجهات سيعني صمودا اضافيا لدولة محدودة القدرات العسكرية والمادية امام طاغوت العصر المدجج بالسلاح والجريمة والمال.. فكل يوم اضافي انما هو انتصار لايران.
واما الدول العربية الواقعة على الخليج العربي فهي منزوعة السيادة بوجود القواعد العسكرية الامريكية والفرنسية وهي لا تستطيع من امرها شيئا مستلبة القرار وجدت نفسها بين نيران الصواريخ الايرانية والصواريخ الامريكية.. وهي بين سكوت مذل ونطق فاضح وهي تكتشف ان القواعد العسكرية الامريكية لا تحمي أحدا وانه كان اشرف لها ان تتفاهم مع ايران وتبعد القواعد العسكرية عن ارضها هذه القواعد العسكرية التي انطلقت منها الطائرات سابقا لتدير العراق..
صمود ايران رغم الالم اكيد يدلل عليه خروج ملايين الشعب الايراني الى الشوارع في المدن الايرانية يشبعون الزعيم الايراني علي خامنئي و يجددون العدد للنظام الايراني ولخياراته السياسية يهتفون ضد امريك واسرائيل..
من المؤكد ان ضربات مؤلمة توجه الى ايران الاقتصاد والمؤسسات ولكن من المؤكد كذلك ان امريكا واسرائيل لن تصمد لمزيد من الاستنزاف ولهذا فان اطالة ايام المعركة ستفضح ترمب وتخلق له الازمات في المؤسسات الامريكية والشعب الامريكي كما ان اسرائيل لن تستطيع احتمال المزيد من الاستنزاف .. وهناك احتمالات كثيرة لتدخل عناصر قوة اضافية لإيران في مواجهة كل اطالة فيها انما هي لصالح ايران.. وان أي انكسار لجبهة امريكا واسرائيل وحلفائهم يعني بداية انتصارات الامة وانتهاء حقبة بائسة طال مكثها..
لن يكون سهلا ان تستمر المواجهات فكل هجمة همجية من قبل الاشرار يسقط فيها ضحايا وخسائر كما حصل في المدارس والمستشفيات.. لكن هذا السبيل الذي لابد منه رغم محاولات عديدة من قبل ايران لتجنب المواجهة المسلحة.. نحن نقف بلا شك على مفترق طرق وعلى نهاية مرحلة .. استمرار الصمود والاصرار سيكسر الهجمة الأمريكوصهيونية.. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
