عندما تُصبح الرواية جزءا من المعركة: في انتظار حقائق الميدان
محمد المحسن
أمد/ في خضمّ الصراعات الدولية الكبرى،تترابط الخيوط وتتداخل المصالح،وتتشابك الروايات الإعلامية مع الاستراتيجيات العسكرية إلى درجة يصعب معها تمييز حدود الحقيقة من التضليل. فعندما تخرج تصريحات من هذا المستوى الخطير، كتلك التي تفيد بوجود تواطؤ أمريكي-إسرائيلي على استخدام المفاوضات مع إيران كغطاء للاستعداد لعدوان محتمل،فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط حول مصداقية هذه التصريحات،بل حول المنهجية التي ينبغي اعتمادها في التعاطي مع الأخبار والحروب عموما.
وفي لحظات التوتر القصوى،حيث تتحول المعلومات إلى سلاح استراتيجي بامتياز،يصبح التريث خيارا معرفيا واعيا وليس موقفا سلبيا.
إن الامتناع عن إعادة نشر الأخبار أو تبنّي استنتاجاتها المسبقة ليس هروبا من المسؤولية، بل هو مسؤولية من نوع آخر: مسؤولية انتظار تماسك الوقائع قبل بناء الأحكام.
والحياد هنا ليس فراغا فكريا،بل هو مساحة ممنهجة للرصد والتدقيق.إنه قرار واع بعدم الانجرار وراء حماسة اللحظة الأولى،تلك الحماسة التي غالبا ما تخدم أجندات لا علاقة لها بنقل الحقيقة.
وفي المعارك العسكرية،كما في المعارك الإعلامية، ثمّة قاعدة ذهبية: ما يُعلن في الأيام الأولى نادرا ما يصمد أمام اختبار الأيام التالية.فالإعلانات عن الانتصارات الساحقة أو الانهيارات الكارثية غالبا ما تكون مشروطة بهدفيّن أساسيين:
أولا: رفع الروح المعنوية للقاعدة الشعبية والجمهور الداعم داخليا.
ثانيا: إرباك الخصم ودفعه لاتخاذ قرارات بناء على معلومات مغلوطة.
ولهذا،فإن الوقائع الميدانية وحدها هي التي تملك الكلمة الفصل.فعدد الخسائر الحقيقية،المدى الفعلي للضربات،طبيعة الردود العملية (لا المعلنة فقط)،وتحولات موازين القوى على الأرض-هذه هي المؤشرات التي لا يمكن تزييفها على المدى الطويل.
-دعاية الحرب وسيكولوجيا التلقي:
تعمل آلة الدعاية في زمن الحرب وفق آليات نفسية مدروسة.الجمهور في حالة ترقب وقلق،مما يجعله أكثر تقبلا للروايات المبسّطة وأكثر استعدادا لتصديق ما يتماهى مع مخاوفه أو آماله. هذه الحالة النفسية الهشّة تُشكّل أرضا خصبة لتمرير الخطابات المضللة.
إن إدراك هذه الآليات هو الخطوة الأولى نحو مقاومتها.فعندما نعي أن الأيام الأولى للحرب هي "منطقة عمياء"معلوماتيا،فإن قدرتنا على التمييز بين الخبر والدعاية تتعزز.
ثمّة فجوة زمنية حتمية بين وقوع الحدث وظهوره كحقيقة مكتملة.في هذه الفجوة،تعمل كل الأطراف على ملء الفراغ برواياتها الخاصة.ومن يختار الانتظار،إنما يضع نفسه في موقع من يريد قراءة التاريخ وهو يُصنع،لا وهو يُروى.
والتاريخ لا يُكتب في النشرات العاجلة،بل في الوقائع المتراكمة التي تفرز نفسها بنفسها مع الوقت.وما يبدو بيّنا وواضحا في لحظة اشتعال الأحداث،قد يتبدّى هشّا ومفبركا بعد أسابيع أو أشهر.
وإذن؟
ليس المطلوب إذا،هو الشك المطلق أو التوقف عن متابعة الأخبار،بل تطوير علاقة نقدية معها.فمتابعة واعية تضع كل رواية بين قوسين مؤقتين،إلى أن تفرز الوقائع الميدانية نفسها.
في النهاية،الحرب ليست فقط ميدانا للمواجهة العسكرية،بل هي أيضا ساحة لصراع الروايات. ومن ينجح في فرض روايته في الأيام الأولى،قد لا ينجح بالضرورة في فرضها على التاريخ. والحقيقة العسكرية،مثلها مثل الحقيقة التاريخية، عنيدة: قد تتأخر لكنها لا تموت.وهي وحدها التي تبقى بعد أن تهدأ أصوات المدافع وتنطفئ كاميرات الدعاية.
وعندما تدلي دولة،تمتلك واحدة من أكثر أجهزة الاستخبارات تطورا في العالم،بتصريح خطير مفاده أن المفاوضات مع الخصم لم تكن إلا غطاء للإعداد لعدوان عسكري،فإنها لا تقدم مجرد معلومة تكتيكية عن عملية خداع استراتيجي،بل تقدم اعترافا ضمنيا بنزع الشرعية عن أي رواية لاحقة تصدر عنها.وإذا كان الاتفاق على مسار دبلوماسي بأكمله يمكن أن يكون مجرد "تضليل"، فكم بالحري تكون التفاصيل اليومية لجبهة القتال، وأرقام الخسائر، طوتقييم الإنجازات؟!
هذا الإدراك لا يدفع بالضرورة إلى نظرية مؤامرة شاملة،بل إلى منهجية معرفية دقيقة في التعامل مع الخبر في زمن الحرب.ففي اللحظة التي تتحول فيها المعلومة إلى سلاح،يصبح التعامل معها بحذر واجبا لا ترفا.وليس الهدف من هذا التريث هو الوصول إلى "الحياد" المستحيل في صراعات مصيرية،بل الوصول إلى فهم أقرب إلى الموضوعية،عبر ترشيد الانفعال وإخضاع التصريحات لامتحان الواقع.
إن قرار عدم الانخراط في إعادة تدوير الأخبار أو تبنّي الاستنتاجات المسبقة هو،كما أشرت، "اختيار منهجي" واعي.إنه اعتراف بأن في الأيام الأولى للحرب،الجميع يكذبون،أو على الأقل لا يقولون الحقيقة كاملة.فخطاب النصر المبهر،وصور الهزيمة المدوية،كلها جزء من سيناريوهات "المعركة الروائية" الموازية للمعركة العسكرية.والحرب لا تدار بالصواريخ فقط،بل بالسرديات التي تُصنع لتبرير التضحيات أو لتعزيز الموقف التفاوضي قبل أن تبدأ المفاوضات الحقيقية.
وفي قلب المنطقة،حيث تدور-الآن-رحى الحرب في الخليج والمواجهة الممتدة بين أمريكا وإسرائيل وإيران،تتجلى هذه الظاهرة بوضوح لا يخفى على متابع.فالمشهد يموج بعناوين متضاربة: هنا حديث عن ضربات استباقية دقيقة، وهناك عن صواريخ فرط صوتية تخترق أعتى منظومات الدفاع.هنا تغني إسرائيل بتنفيذ "الرد"، وهناك تغني إيران بإدارة "المعركة" عبر حلفائها. كل طرف يقدم روايته وكأنها الحقيقة المطلقة.
لكن الحقيقة في النهاية ليست فيما يُقال،بل فيما يحدث على الأرض.إنها في الخرائط التي سيعاد رسمها بعد الهدوء،لا في الخرائط التي سُوِّقت في ذروة العاصفة.وهي في عدد الطائرات التي لا تقلع مجددا،لا في عدد الأهداف التي أعلن تدميرها. وهي أيضا في تبدل موازين القوى على المدى البعيد،وليس في تبدل الخطاب الإعلامي على المدى القصير.
خلاصة القول :إن من يختار "التريث" اليوم،لا يهرب من المواجهة،بل يستعد لقراءة نتائجها الحقيقية.هو يدرك أن الوقائع في الحروب لا تُعلن في البيانات الرسمية،بل تتشكل بصمت تحت الركام،وتظهر جلية في اليوم التالي للحرب.
وفي النهاية،حين يخفت صوت المدافع ويختفي زبد الدعاية،سيبقى ما خلفته الحرب على الشاشات مجرد ذكرى،بينما ما خلفته في الميدان سيكون هو الحقيقة التي تفرض نفسها على الجميع.
وانتظار هذه الحقيقة ليس سلبية،بل هو احترام للعقل ولتلك اللحظة الفارقة التي يسقط فيها القناع عن وجوه كل الروايات.
