حين يُحاكم الأسير عبر شاشة… العدالة في قفصٍ رقمي
سامي إبراهيم فودة
أمد/ في الأزمنة التي تضيق فيها المسافات بين الإنسان وحقوقه، لا يعود السؤال: من يُحاكم؟ بل كيف يُحاكم؟
فحين تُستبدل قاعة المحكمة بشاشة، ويُختصر حضور الأسير إلى صورةٍ مرتجفة على “الزوم”، لا يكون الأمر مجرد إجراء تقني عابر، بل تحوّلًا عميقًا في فلسفة العدالة ذاتها. إن القرار الذي صادقت عليه الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة، والقاضي بمنع الأسرى الفلسطينيين من حضور محاكماتهم جسديًا والاكتفاء بالمشاركة عبر الاتصال المرئي، ليس خطوة إدارية باردة، بل إعلانًا جديدًا عن شكل العدالة في زمن السيطرة.
جسدٌ غائب… وصوتٌ مُقيّد
المحاكمة ليست نصوصًا تُتلى، ولا أوراقًا تُوقّع. هي حضورٌ إنساني كامل: ملامح، نظرات، تفاعل مباشر بين القاضي والمتهم، بين الدفاع والاتهام.
أن يُحاكم الأسير خلف شاشة، من داخل زنزانته، يعني أن يُفصل الجسد عن الفضاء القانوني، وأن يُختزل الإنسان إلى مربعٍ رقمي.
قد يُقال إن التقنية تضمن “السلامة”، كما صرّح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بأن لا سبب لتعريض حراس السجون للخطر على الطرق “مع قتلة” طالما يمكن عقد الجلسة بأمان من داخل السجن.
لكن السؤال الأعمق ليس في أمن الحارس، بل في أمن العدالة نفسها:
هل العدالة التي تخشى الطريق، قادرةٌ على مواجهة الحقيقة؟
وهل يمكن لمحاكمةٍ بلا حضور فعلي أن تضمن تكافؤ الفرص بين الادعاء والدفاع؟
من قاعة المحكمة إلى شاشة العزل
المحكمة في جوهرها فضاءٌ علني، يُمارَس فيه القانون تحت نظر المجتمع. العلنية ليست تفصيلًا شكليًا، بل ضمانة أساسية للشفافية والمساءلة.
أما حين تُحصر المحاكمة داخل جدران السجن، وتُبث عبر كاميرا تخضع لإدارة السجان، فإن العلاقة بين السلطة والمتهم تصبح أكثر اختلالًا.
إن الحضور الجسدي يمنح الأسير حق التواصل المباشر مع محاميه، وحق متابعة تفاصيل الجلسة دون عوائق تقنية أو قيود بيئية.
أما الشاشة، مهما بلغت دقتها، فلا تنقل سوى جزءٍ من الحقيقة؛ وتُبقي بقية المشهد خارج الإطار.
البعد الإنساني والقانوني
في القانون الدولي لحقوق الإنسان، يُعدّ حضور المتهم لمحاكمته مبدأً أصيلًا من مبادئ المحاكمة العادلة، إلا في حالات استثنائية ومقيّدة بضمانات صارمة.
أما تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وربطه بهوية قومية محددة، فيثير أسئلةً تتجاوز التقنية إلى جوهر العدالة والمساواة أمام القانون.
القضية هنا ليست في استخدام الوسائل الرقمية بحد ذاتها، بل في السياق الذي تُستخدم فيه:
هل هي أداة تسهيلٍ أم أداة تقييد؟
هل تمنح المتهم حماية إضافية أم تُجرّده من أحد أهم مظاهر كرامته القانونية؟
في ختام سطور مقالي
العدالة ليست إجراءً يُنجَز بأقل تكلفة، ولا طريقًا يُختصر خشية المخاطر.
هي قيمةٌ تُختبر في أصعب الظروف، وتُقاس بمدى قدرتها على حماية الأضعف قبل الأقوى.
حين يُحاكم الأسير عبر شاشة، قد يُقال إن الجلسة عُقدت، وإن القانون طُبّق.
لكن العدالة، إن غاب وجه الإنسان عن فضائها، تبقى ناقصة…
فالعدالة التي لا ترى المتهم أمامها، قد لا ترى الحقيقة كاملة.
