محددات نظرية الامن الإسرائيلية
عمر حلمي الغول
أمد/ الدول والثورات الاجتماعية والتحرر الوطني والجماعات المسلحة جميعاـ تلجأ بين مرحلة وأخرى وفي محطات مفصلية من سيرورة تطورها، وارتباطا بالعوامل الذاتية والموضوعية تعيد النظر بنظرياتها الأمنية، واشكال كفاحها ضد اعدائها، وبما يتوافق مع تحقيق أهدافها التكتيكية والاستراتيجية. لأن السكون وعدم مراجعة التجربة الوطنية لهذه الدولة او تلك، او لهذه الثورة أو تلك يعكس حالة المراوحة والجمود الستاتيكي، وهو ما يعزز ديناميكيات الدول والقوى المعادية التي تعيد النظر في هندسة مركبات نظرياتها وآليات عملها وهيئاتها القيادية ومنظومة أسلحتها وتحالفاتها الأمنية العسكرية المرتكزة على الأسس السياسية والعقائدية والأيديولوجية، وان لم يتوفر البعد الأيديولوجي يكون الأساس السياسي التكتيكي او الاستراتيجي، والمصالح المتبادلة بين الدول، أو الدول والثورات. لأن المصالح تمثل العمود الفقري لأي علاقات ثنائية بغض النظر عن طابعها إن كانت آنية أم طويلة وبعيدة المدى.
والدولة الإسرائيلية لا تخرج عن هذه القاعدة، لا بل كونها دولة لقيطة ومارقة، وقامت على انتاج وإدامة الإرهاب والفوضى والحروب مع الفلسطينيين والعرب كافة لتحقيق أهدافها واهداف سادتها من دول الغرب الامبريالي في الوطن العربي وإقليم الشرق الأوسط عموما، ولأنها تتسم بسمة خاصة، عنوانها "جيش وقطعان مستعمرين لهم دولة"، فإن تغيير نظريتها الأمنية ضرورة ماسة، تمليها أولا تطور المشروع الصهيوني في مراحله المتعاقبة؛ ثانيا تطور العملية الكفاحية التحررية للشعب العربي الفلسطيني؛ ثالثا التحولات الدراماتيكية في دول الطوق العربية خصوصا والدول العربية عموما؛ رابعا التغيير السياسي والعقائدي في دول الإقليم الإسلامية وغير الإسلامية؛ خامسا التطورات العالمية. لا سيما وان الدولة الصهيونية الاستعمارية ليست دولة طبيعية، وانما هي دولة لقيطة انتجها وعمدها وحماها ورعى تطورها الغرب الامبريالي بدوله كافة، وحتى الدول الشرقية لعبت دورا أساسيا في بنائها، والأكثر مرارة ولعنة وحزنا في آن، أن بعض العرب شاركوا في وجودها.
إذا عملية التغيير للنظرية الأمنية الإسرائيلية هي مبدأ ثابت في سيرورتها خلال العقود الثمانية الماضية، ومؤكد جدا أن مرحلة ما بعد السابع من تشرين اول / أكتوبر 2023 شكلت إنعطافة استراتيجية في صيرورة المشروع الصهيوني ودولته المارقة والخارجة على القانون، وباتت الدولة الإسرائيلية ومجتمعها الاستعماري على مفترق طرق، حيث وصلت الى نقطة الحسم في تطور مشروعها، فأما ان تصفي الوجود الفلسطيني العربي في أوسع وأعمق عملية تطهير عرقي، وأما أن ترضخ وتقبل بالحل السياسي، وهنا تقف أمام خيارين احلاهما مر: الأول القبول بحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، والثاني القبول بحل الدولة الواحدة، وكلاهما يتناقض مع بقاء دولة الإبادة الإسرائيلية، ومع تنفيذ الهدف الاستراتيجي للحركة الصهيونية والغرب الامبريالي عموما وعلى رأسه الولايات المتحدة الاميركية. لأن تطورها لا يقبل القسمة مع الوجود الفلسطيني، ليس هذا فحسب، بل أن النكوص عن هدف نفي وتصفية الشعب الفلسطيني من ارض وطنه الام فلسطين التاريخية يعني اسقاط وتصفية المشروع الكولونيالي الصهيوني، وافتضاح وتعرية الرواية الصهيونية المزورة، وبالتالي تتلاشى فكرة وهدف "إقامة دولة إسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات"، ومبرر وجود إسرائيل من حيث المبدأ.
وبالعودة لمحددات النظرية الأمنية الاسرائيلية الجديدة التي حددها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس يوم الخميس 19 شباط / فبراير الحالي في حفل تخريج الضباط القتاليين في قاعدة التدريب "ياهد 1"، أكد كلاهما على الأسس التالية: أولا الانتقال من استراتيجية "احتواء التهديد" الى استراتيجية "المنع والحسم"، في كل ما يتعلق في مواجهة التهديد القائم أو المتشكل، وأضاف رئيس الحكومة قائلا "لا مزيد من معارك نار صغيرة بين الحروب، ولا مزيد من مفهوم فيلا في الغابة، التي تختبئ فيها الحيوانات المفترسة وراء الجدار، بل على العكس، إذا لم تأت الى الغابة، الغابة ستأتي اليك." ؛ ثانيا مبدأ نقل المعركة الى أرض العدو عشرات الاضعاف، وهذا المبدأ قديم جديد، الا ان الجديد فيه، كما عبر عنه نتنياهو "خرجنا بعيدا الى ما وراء حدود الدولة، عميقا في مناطق العدو، وعميقا في عواصم العدو، تقريبا كلها. عملنا في مدى غير مسبوق، وفي نطاق كبير جدا، لإبعاد تهديدات وجودية عنا؛ ثالثا عدم السماح ل "جيوش إرهابية" بالتمركز بعد اليوم على الحدود، وأضاف زعيم الائتلاف "ممنوع وجود جهات جهادية بالقرب من إسرائيل"، وعمقها كاتس بالقول: تقوم النظرية الأمنية على "المبادرة والحسم، إزالة التهديدات، وحماية الحدود والمستوطنات الإسرائيلية من داخل أراضي العدو امام تهديدات التنظيمات الجهادية: في الجليل من خلال سلاسل جبال لبنان، في هضبة الجولان من قمة جبل الشيخ ومنطقة الامن في سوريا، وفي مستوطنات النقب الغربي من خلال وجود دائم للجيش الإسرائيلي في منطقة أمن داخل غزة تستمر الى الابد، وفي الضفة الغربية من خلال وجود الجيش داخل مخيمات اللاجئين في شمال "السامرة" أي نابلس وجنين وطولكرم بدلا من السكان وأوكار "الإرهاب الفلسطيني التي كانت هناك." رابعا إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بالمناطق العازلة في قطاع غزة ودول الطوق كافة، وخاصة في سوريا ولبنان على الأقل حتى الان، لأنها قد تتطور وتطال دول عربية أخرى؛ خامسا تعزيز التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، لكن على ارضة ومبدأ الاعتماد على الذات في بناء القوة و"الدفع قدما بسياسة الاستقلال"، وتابع "سنقلل الاعتماد على عوامل خارجية، سنطور بأنفسنا قدرات تضمن التفوق النوعي لدينا في ساحة المعركة المستقبلية."
على جهات الاختصاص الفلسطينية والعربية والإقليمية قراءة أسس النظرية الأمنية جيدا، ومراجعة نظرياتهم الأمنية إن كانوا يعتقدون أنها شاخت، وباتت بحاجة لتغيير.
