نهاية الامتياز كيف يمكن للسلطة الفلسطينية أن تبني شرعيتها من جديد في عصر ما بعد 7 أكتوبر؟

تابعنا على:   16:51 2026-02-11

خالد سعيد نزال

أمد/ في أعقاب السابع من أكتوبر 2023، لم يعد العالم يرى الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي عبر عدسة سردية غربية كانت هيمنت عليه لأربعة عقود، والتي كانت تقدم إسرائيل على أنها "ديمقراطية محاصرة" تستحق الدعم غير المشروط. لقد انهار هذا الإطار المعرفي الذي كان يمنح الاحتلال حصانته الأخلاقية والقانونية، ليكشف عن واقع جديد يتسم بالمساءلة القضائية والتراجع في الدعم الشعبي الغربي، خاصة بين الشباب. هذا التحول الجذري لا يمثل مجرد خسارة إعلامية، بل هو انكسار في البنية التي قامت عليها الشرعية الدولية للسلطة الفلسطينية، مما يفرض عليها ضرورة إعادة تقييم عميق لدورها واستراتيجيتها المستقبلية. إن استمرار السلطة الفلسطينية في الادعاء بالتمثيل الشامل دون قدرة فعلية على التأثير، أو تجاهل العلاقة المعقدة مع الفصائل الأخرى، سيؤدي حتماً إلى تدهور وضعها الدبلوماسي وتآكل مصداقيتها بشكل كامل. لذلك، يصبح من الضروري صياغة استراتيجية شاملة تدمج الأدوات القانونية والدبلوماسية والسياسية في نضال وطني موحد، يبدأ بتغيير النموذج الاستراتيجي ويضع تحقيق الوحدة الوطنية كشرط مسبق للنجاح.

إعادة تقييم البنية المؤسسية: من الممثل الشرعي الوحيد إلى الشريك الدبلوماسي المحدود

ادى انهيار السردية الغربية لم يكن مجرد حدث إعلامي، بل كان انكساراً في الأساس الذي قامت عليه شرعية السلطة الفلسطينية الدولية. تاريخياً، كانت شرعية السلطة قائمة على ثلاثة أركان رئيسية: احتكار الخطاب الغربي المؤيد لها، والاعتراف الدولي بها كـ"الممثل الشرعي الوحيد" للشعب الفلسطيني بموجب اتفاقيات أوسلو، والحصرية النسبية للفصائل الأخرى كالحركة الإسلامية وحماس كمنظمات "إرهابية". ومع انهيار العمود الأول، أي احتكار الخطاب الغربي، تبددت الأعمدة الأخرى أيضاً. لم يعد العالم الغربي، الذي كان يشكل بوابة الوصول إلى الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، قادراً على تقديم نفسها كدولة ديمقراطية بينما تمارس أبشع أشكال التمييز العنصري في الضفة الغربية وتقوم بتدمير البنية التحتية في غزة. هذا الواقع الجديد يفرض على السلطة الفلسطينية إعادة تقييم جذري لدورها، وإعادة تعريف شرعيتها من "شرعية تاريخية" قائمة على الاتفاقيات، إلى "شرعية حالية" قائمة على الأداء والتأثير الفعلي.

التحول الأبرز يتمثل في تراجع مركزية السلطة كشريك دبلوماسي أساسي. فقد كشفت المنصات الرقمية بعد 7 أكتوبر عن واقع "الأبارتهايد" و"الإبادة الجماعية" الذي كانت السلطة لا تستطيع أو لا تجرؤ على تصويره بنفسها، مما أدى إلى تشتيت الرأي العام العالمي وتقويض خطابها التقليدي. نتيجة لهذا الانهيار، بدأت العديد من الدول والمنظمات الدولية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، في إظهار تشدد أكبر تجاه إسرائيل، ودعوتها إلى اتخاذ إجراءات ملموسة مثل إطلاق سراح الأسرى والمستوطنين، وفك الحصار عن غزة، وتسهيل الوصول إلى المساعدات الإنسانية. هذا التغير المناخي السياسي يعني أن الشرعية الجديدة للسلطة لن تقاس بموقفها السياسي التقليدي أو أدائها الإداري فقط، بل ستُقاس بمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة للشعب الفلسطيني على الأرض. هذه النتائج تشمل توفير الخدمات الأساسية، وتوسيع حدودها السيادية بشكل حقيقي، وتحقيق مكاسب دولية ملموسة مثل اعتراف بدولة فلسطينية أو فرض عقوبات على إسرائيل. إن استمرار السلطة في الادعاء بالتمثيل الشامل دون قدرة فعلية على التأثير سيضعف مصداقيتها أكثر فأكثر، لأن الشرعية اليوم تتطلب أداءً وتأثيرًا وليس مجرد مطالبة بالتمثيل.

العلاقة مع الفصائل: الوحدة الوطنية كعامل مؤثر في الفعالية الدولية

لم تعد العلاقة بين السلطة الفلسطينية وفصائل المقاومة، وعلى رأسها حماس، مجرد ملف داخلي معقد، بل أصبحت عاملاً حاسماً ومؤثراً بشكل مباشر في فعالية السلطة على الساحة الدولية. في الماضي، عندما كانت السردية الغربية هي المهيمنة، كان بإمكان السلطة الفلسطينية الاعتماد على دورها كـ"الممثل الشرعي الوحيد" لإخفاء عمق الانقسام السياسي. لكن اليوم، مع انهيار هذا الخطاب، أصبح غياب الوحدة الوطنية علامة بارزة على ضعف المشروع الوطني، وهو ما يستغله الإسرائيليون والمراقبون الغربيون لتصوير الشعب الفلسطيني كمجموعة من الفصائل المتحاربة بدلاً من كونه شعباً له مشروع وطني واحد. وبالتالي، فإن أي استراتيجية دبلوماسية ناجحة للسلطة الفلسطينية يجب أن تتجاوز الصمت أو التحفظ بشأن هذا الملف، وأن تجعل تحقيق الوحدة الوطنية أولوية قصوى وشرطًا مسبقاً لأي تقدم سياسي حقيقي.

الواقع أن الانقسام يُضعف الداخل فحسب، بل يعطّل بشكل مباشر الاستفادة من التحوّلات العالمية الداعمة لفلسطين. الدول الغربية والأوروبية، على سبيل المثال، تدعو باستمرار إلى دعم السلطة وتحسين علاقتها مع حماس، ولكن هذه الدعوات غالبًا ما تكون شكليّة وغير فعالة. هذا الدعم المحدود يعكس واقعاً صعباً: المجتمع الدولي لا يريد أن يتعامل مع كيانات منقسمة. إن وجود إدارة فلسطينية موحدة قادرة على التفاوض باسم جميع الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو الشتات، سيكون بمثابة هدية دبلوماسية لا تقدر بثمن. هذا الكيان الموحد يمكنه تقديم رؤية سياسية واضحة لما بعد الاحتلال، ويجعل من المستحيل على إسرائيل أو حلفائها الغربيين الاستمرار في تصوير الفلسطينيين على أنهم "طرفان متكافئان" في عملية السلام، بينما هي التي تسيطر على الأرض والسلطة العسكرية. كما أن الوحدة الوطنية تمنح الشرعية الدولية التي تبحث عنها السلطة الفلسطينية أساساً حقيقياً وليس مجرد ادعاء.

لتحقيق هذا الهدف، يجب على السلطة الفلسطينية أن تتبنى نهجاً استراتيجياً مختلفاً. بدلاً من النظر إلى حماس كخصم يجب إقصاؤه، يجب أن يُفهم أن حماس هي أحد أبرز فاعلي السوق السياسي الفلسطيني، ولها شرعية شعبية كبيرة في قطاع غزة. إن تبني استراتيجية الحوار والشراكة، بدلاً من الاستفزاز والانعزال، هو المفتاح. يمكن أن تبدأ السلطة الفلسطينية بفتح قنوات تواصل مباشرة مع حماس، ليس فقط حول القضايا الأمنية، بل حول الأجندة السياسية الأوسع. يمكن أن تركز المحادثات على كيفية استخدام المحاكم الدولية والجهود الدبلوماسية العالمية بشكل مشترك لخدمة المصالح العليا للشعب الفلسطيني، بدلاً من التنافس على التأثير. إن وجود إطار عمل واضح لحكومة وحدة وطنية، كما طالبت به الأمم المتحدة، يمكن أن يكون نقطة انطلاق ممتازة. يجب أن تعمل السلطة الفلسطينية على إقناع الدول العربية والدولية بأن دعمها لحكومة الوحدة الوطنية ليس دعمًا لحركة حماس كمنظمة "إرهابية"، بل هو دعم لمشروع الدولة الفلسطينية وفقًا للقرارات الدولية.

علاوة على ذلك، فإن تحقيق الوحدة الوطنية سيخلق إطارًا مشتركًا للمسؤولية القانونية والأخلاقية. فبينما تتعامل السلطة مع الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، يمكن لحكومة الوحدة الوطنية أن تضمن احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية، سواء تحت سيطرة السلطة في الضفة الغربية أو تحت سيطرة حماس في قطاع غزة. هذا الأمر سيضعف حجة إسرائيل وحلفائها الغربيين التي تجادل بأن حماس تستخدم المدنيين كدروع بشرية، وسيرفع من مستوى مصداقية الفلسطينيين في الساحات الدولية. إن الانتقال من منطق "نحن ضدكم" إلى منطق "نحن نعمل معًا"، هو ما سيمكن الفلسطينيين من الاستفادة من الانهيار السردي الحالي وتحويله إلى مشروع سياسي وقانوني متكامل يحقق حلمهم في الحرية والاستقلال.

خارطة طريق دبلوماسية: استغلال موازين القوى العالمية المتغيرة

في ظل انهيار السردية الغربية وتصاعد المساءلة القانونية، تبرز فرصة فريدة للسلطة الفلسطينية لاستعادة زمام المبادرة على الساحة الدولية. لم يعد العالم ينظر إلى القضية الفلسطينية كنزاع إقليمي معقد، بل كقضية أخلاقية عالمية تتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي. إن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب استراتيجية دبلوماسية مبتكرة وجريئة، تتجاوز الزاوية الغربية التقليدية وتعمل على بناء جبهة عالمية أوسع وأكثر تنوعًا.

أولاً، يجب على السلطة الفلسطينية أن تولي اهتمامًا استراتيجيًا لصعود الجنوب العالمي. لقد أصبح العالم القائم على الهيمنة الغربية متجاوزًا، حيث تحول تركيز العديد من الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إلى قضية فلسطين كرمز لمقاومة الاستعمار والاستبداد. في قمة مجموعة الـ77+الصين عام 2023، وقّعت 134 دولة على بيان يصف إسرائيل بـ"دولة فصل عنصري" ويطالب بمقاطعتها، وهي دول تمثل 85% من سكان العالم. هذا التحول الجيوسياسي يجب أن يُترجم إلى إجراءات دبلوماسية ملموسة. يجب على السلطة الفلسطينية زيادة التواصل والتعاون مع دول مثل جنوب أفريقيا، البرازيل، إندونيسيا، والمغرب العربي، الذين يفهمون القضية من منظور معارضة الأنظمة الاستبدادية والدفاع عن القانون الدولي.

مع ذلك، يجب تقديم القضية الفلسطينية ضمن سياق أوسع من العدالة العالمية، وربطها بقضايا أخرى تهم هذه الدول، مثل حركات العدالة المناخية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الشعوب الأصلية. هذا النهج يرفع من شأن القضية ويضعها في سياق أوسع من العدالة العالمية، مما يجعل من الصعب على القوى الكبرى تجاهلها.

ثانياً، يجب إدارة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بحذر وبراغماتية. على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يدعم "حل الدولتين" كرؤية مستقبلية، إلا أنه أصبح مصدر ضغط متزايد على إسرائيل. لقد بدأ الاتحاد الأوروبي في ربط دعمه لإسرائيل بضرورة اتخاذ إجراءات ملموسة، مثل إطلاق سراح الأسرى والمستوطنين، وفك الحصار عن غزة، وتسهيل الوصول إلى المساعدات الإنسانية. يجب على السلطة الفلسطينية أن تستخدم هذا الضغط لصالحها، وتقديم مقترحات عملية لمعالجة هذه القضايا. ومع ذلك، يجب عدم التراجع عن المطالب الأساسية للشعب الفلسطيني مقابل أي تطبيع من دول الخليج. فالتقارب العربي مع إسرائيل يجب أن يكون نتيجة لنجاح عملية السلام وليس سببًا لها، كما أظهر فشل بعض المحاولات السابقة. يجب أن تظل مطالب السلطة الفلسطينية بالدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ثابتة وغير قابلة للتفاوض.

ثالثاً، يجب التركيز على بناء تحالفات عالمية جديدة مع الحركات الاجتماعية والدينية والسياسية التي تشارك قيم فلسطين. يمكن بناء جبهة واسعة مع حركات العدالة العرقية مثل BLM ومناهضي الأبارتهايد، واليسار المناهض للاستعمار، والمنظمات الدينية التي تدعو إلى العدالة والمساواة. هذه الحركات لديها قاعدة شعبية واسعة في الغرب وتستطيع فرض ضغط على الحكومات لتغيير سياساتها تجاه فلسطين. كما يجب العمل على إنشاء تحالفات مع حركات العدالة المناخية، التي بدأت تربط بين تدمير البيئة في غزة وتداعيات الاستعمار الاستيطاني. إن هذه التحالفات لا تقتصر على الدعم الشفهي، بل يمكن أن تترجم إلى إجراءات ملموسة مثل المقاطعة الاقتصادية، والضغط على الشركات المتورطة في دعم الاحتلال، والدعوة إلى فرض عقوبات دولية.

إن هذه الخارطة الدبلوماسية تتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية الدبلوماسية والبشرية. يجب على السلطة الفلسطينية أن تعيد هيكلة مكاتبها الخارجية لتكون أكثر مرونة وقادرة على التواصل مع شعوب وحكومات مختلفة. كما يجب أن تستثمر في الإعلام الرقمي لتوصيل سردها بطرق مبتكرة ومقنعة للجمهور العالمي. إن القدرة على بناء هذه الجبهات الدولية ستكون حاسمة لتحويل الغضب الأخلاقي العالمي إلى ضغط سياسي واقتصادي فعال ينهي الاحتلال.

المحاكم الدولية كسلاح استراتيجي: خارطة طريق عملية للمساءلة القانونية

إن التحول نحو المساءلة القانونية ليس مجرد رد فعل على الأحداث الأخيرة، بل يجب أن يكون المحور الاستراتيجي في نضال الشعب الفلسطيني لتحقيق العدالة والحرية. لقد بدأت المؤسسات القضائية الدولية في العمل بقوة، مما يضع إسرائيل تحت ضغط قانوني تاريخي لم تشهده من قبل. إن تحويل المحاكم الدولية من مجرد منصات للمحاكمة إلى ساحات مواجهة استراتيجية يتطلب خارطة طريق عملية ومتكاملة من قبل السلطة الفلسطينية، تجمع بين الدعم الدبلوماسي والتدخل القانوني والضغط الشعبي.

المرحلة الأولى، وهي المرحلة الحالية (2024-2025)، يجب أن تركز على الدفاع عن النفس ودعم القضايا القائمة. المحطة الأكثر أهمية هي قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية (ICJ) بشأن اتهامات الإبادة الجماعية. يجب على السلطة الفلسطينية، ككيان له علاقة قانونية بالقضية ويعاني من نفس السياسات الإسرائيلية، أن تلعب دورًا فعالًا كشريك قانوني. هذا يشمل تقديم طلبات رسمية للتدخل أمام المحكمة كطرف ذي مصلحة مباشرة، وتقديم شهادات وأدلة إضافية لدعم قضية الإبادة الجماعية. كما يجب على السلطة الفلسطينية متابعة تقارير إسرائيل الدورية المتعلقة بتنفيذ أوامر المحكمة بقوة، وتوجيه دعاوى أخرى للمحكمة بشأن انتهاكات متعددة، مثل الحصار، وتجويع السكان، وخرق القانون الإنساني الدولي. على المستوى الثاني، يجب دعم قرار محكمة الجنايات الدولية (ICC) التاريخي بطلب أوامر اعتقال ضد قادة إسرائيليين وحماس. يجب على السلطة الفلسطينية أن تعمل على توعية الرأي العام العالمي بأهمية هذا القرار، وحشد الدعم له، والضغط على الدول الأعضاء لتنفيذ أوامر الاعتقال عند زيارة القادة المطلوبين للأراضي الوطنية.

المرحلة الثانية (2026-2027) يجب أن تركز على تضييق الخناق القانوني وتجريد إسرائيل من حصانتها. بعد أن أصبحت أوامر الاعتقال قيد التنفيذ، يجب على السلطة الفلسطينية أن تضغط على الدول الأوروبية لسحب الحصانة الدبلوماسية عن القادة الإسرائيليين المطلوبين، مما يمنعهم من السفر إلى دول الاتحاد الأوروبي. والأهم من ذلك، يجب العمل على تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية لمحاكمات جرائم الحرب في المحاكم الوطنية في أوروبا وأمريكا اللاتينية. هذا يعني دعم محاولات المنظمات الحقوقية الفلسطينية والدولية لمقاضاة قادة إسرائيليين في المحاكم الوطنية، حتى لو لم تكن إسرائيل طرفًا في هذه القضايا. كما يجب أن تسعى السلطة الفلسطينية إلى فتح قضايا جديدة في المحاكم الدولية، مثل قضية الحصار الاقتصادي، والتهويد، والفصل العنصري، والجرائم ضد الإنسانية المرتبطة بسياسة الاستيطان.

المرحلة الثالثة (2028+) يجب أن تركز على تحويل النجاحات القانونية إلى مكاسب سياسية دائمة. إن المساءلة الجنائية المستمرة، وفرض العقوبات الدولية، والضغوط الدبلوماسية المستمرة، يجب أن تدفع إسرائيل إلى مفاوضات جادة تحت ضغط قانوني وسياسي لا يمكنها تحمله. في هذه المرحلة، يمكن للسلطة الفلسطينية أن تطرح خطة سياسية شاملة تهدف إلى إنهاء الاحتلال وقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، مع حق العودة للاجئين. يجب أن تدعم هذه الخطة بالإجماع الدولي الذي سيتم تحقيقه من خلال النجاح في المحاكم الدولية. إن الهدف النهائي لهذه الاستراتيجية طويلة الأمد هو إرغام إسرائيل على الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، وليس مجرد التوصل إلى تسوية مؤقتة.

استراتيجية متكاملة: بناء جبهة قانونية وسياسية وشعبية موحدة

إن التحدي الأكبر الذي يواجه الشعب الفلسطيني اليوم ليس مجرد خسارة إعلامية، بل هو فرصة تاريخية لتحويل الانهيار السردي إلى مشروع سياسي وقانوني متكامل. لتحقيق ذلك، لا يكفي اعتماد نهج مقطّع يفصل بين الدبلوماسية والقانون والسياسة الداخلية؛ بل يتطلب الأمر استراتيجية متكاملة تدمج كل هذه الأبعاد في جبهة واحدة وموحدة. يجب أن تنتقل السلطة الفلسطينية من كونها "ضحايا" إلى أن تكون "فاعلين قانونيين" في المشهد العالمي، وهذا يتطلب تغييراً جذرياً في النموذج الاستراتيجي، ووضع تحقيق الوحدة الوطنية كشرط مسبق، واستخدام المحاكم الدولية كسلاح استراتيجي، وبناء جبهة عالمية أوسع.

أولاً، يجب على السلطة الفلسطينية أن تتخلى عن نموذجها القائم على الاتفاقيات القديمة وتتبنا نموذجًا جديدًا يعتمد على الأداء والتأثير الدولي كأساس للشرعية. كما ذكرنا سابقاً، لم تعد الشرعية التاريخية قائمة على اتفاقيات أوسلو وحدها قادرة على تبرير دور السلطة في ظل الواقع الجديد. الشرعية الجديدة يجب أن تُقاس بمدى قدرة السلطة على تحقيق نتائج ملموسة للشعب الفلسطيني، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. هذا يعني أن الشرعية لن تكون هبة من الخارج، بل نتيجة لجهود وسياسات فعالة على الأرض.

ثانياً، يجب أن تجعل الوحدة مع الفصائل، وخاصة حماس، أولوية قصوى، لأنها لم تعد خيارًا بل ضرورة وجودية لأي محاولة جادة للحصول على دعم دولي حقيقي. إن غياب الوحدة الوطنية هو العائق الأكبر أمام السلطة الفلسطينية في الساحة الدولية. لذلك، يجب أن تدمج استراتيجية السلطة السياسية والدبلوماسية والقانونية بشكل صريح وخطة عمل لتحقيق الوحدة الوطنية كشرط أساسي لتحقيق أي تقدم سياسي حقيقي. إن التمسك بالنظام القائم، الذي يعزل الفصائل الرئيسية، هو استراتيجية ذات نهاية مسدودة في ظل الانهيار السردي الحالي.

ثالثاً، يجب توظيف المحاكم الدولية (محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية) كأدوات رئيسية للضغط على إسرائيل، وليس كخيارات ثانوية. لقد أصبحت هذه المحاكم ساحات مواجهة استراتيجية فعالة. يجب دعم قضية جنوب أفريقيا في محكمة العدل الدولية وتقديم شهادات وأدلة إضافية لدعم قضية الإبادة الجماعية. كما يجب دعم قرار أوامر الاعتقال في محكمة الجنايات الدولية وتوعية الرأي العام العالمي بأهميته، والضغط على الدول الأوروبية لسحب الحصانة الدبلوماسية عن القادة الإسرائيليين المطلوبين. هذا التوظيف الاستراتيجي للمحاكم الدولية سيضع إسرائيل تحت ضغط قانوني وسياسي لا يمكنها تحمله.

رابعاً، يجب توسيع العلاقات الدبلوماسية خارج الزاوية الغربية التقليدية، مع التركيز على الجنوب العالمي والتحالفات مع الحركات الاجتماعية العالمية. لقد أصبح العالم القائم على الهيمنة الغربية متجاوزًا، حيث تحول تركيز العديد من الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إلى قضية فلسطين كرمز لمقاومة الاستعمار والاستبداد. يجب على السلطة الفلسطينية زيادة التواصل والتعاون مع هذه الدول، وربط القضية بقضايا عالمية مثل العدالة المناخية وحقوق الشعوب الأصلية. كما يجب بناء تحالفات مع حركات العدالة العرقية مثل BLM ومناهضي الأبارتهايد، واليسار المناهض للاستعمار، والمنظمات الدينية التي تدعو إلى العدالة والمساواة. إن هذه التحالفات لا تقتصر على الدعم الشفهي، بل يمكن أن تترجم إلى إجراءات ملموسة مثل المقاطعة الاقتصادية، والضغط على الشركات المتورطة في دعم الاحتلال، والدعوة إلى فرض عقوبات دولية.

أخيرًا، يجب على السلطة الفلسطينية أن تبني سردية فلسطينية موحدة ومقنعة. كسر السردية الغربية لا يكفي إذا لم يتم استبدالها بسردية بديلة قادرة على تقديم رؤية سياسية واضحة لما بعد الاحتلال. يجب أن تركز هذه السردية على الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني الحق في تقرير المصير، وحق العودة، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة على حدود عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. يجب أن تكون هذه السردية قادرة على التواصل مع الجمهور الغربي بلغة حقوق الإنسان والقانون الدولي، لأن هذه هي اللغة التي فهمها العالم الآن. إن القدرة على تحويل هذا الإقناع الأخلاقي إلى ضغط مؤسسي ينهي واقع الاحتلال نفسه هي التحدي الأكبر، والإجابة عليه ستحدد ملامح العقد القادم ليس فقط لفلسطين، بل للنظام الدولي ذاته .

اخر الأخبار