الهزيمة التي لم نسمِّها: من التحرر إلى التكنوقراط

تابعنا على:   13:40 2026-02-06

د. طلال أبوركبة

أمد/ لا يمكن قراءة الخطوات الفلسطينية المعلنة—من الدعوة إلى انتخابات مجلس وطني، إلى القبول الاضطراري بتشكيل هيئة تكنوقراط لإدارة غزة—بوصفها تعبيراً عن إرادة سياسية واعية بقدر ما هي علامات قلق وجودي في لحظة تاريخية مأزومة.
 إنها ليست مشروعاً بقدر ما هي ردّ فعل، وليست رؤية بقدر ما هي محاولة لتأجيل السؤال الجوهري: ماذا بقي من السياسة حين تفقد قدرتها على إنتاج المعنى؟
هذه الخطوات لا تنتمي إلى منطق الاستراتيجية، بل إلى منطق الطوارئ، ولا تصدر عن تصور تاريخي للمستقبل، بل عن خوف من الفراغ الذي يهدد بابتلاع المجال الوطني كله. هنا، لا تُملأ الفجوة الوطنية بمشروع تحرري، بل بترتيبات إدارية، وكأن السياسة الفلسطينية تنسحب من فضاء الصراع إلى فضاء التقنية، ومن منطق التحرر إلى منطق الإدارة.
وفق قراءة غرامشية، نحن أمام أزمة هيمنة مكتملة الأركان. فالحركة الوطنية الفلسطينية، التي شكلت لعقود "كتلة تاريخية"، جمعت بين الفعل السياسي والوجدان الشعبي والسردية التحررية، فقدت قدرتها على قيادة المجتمع أخلاقياً وثقافياً قبل أن تفقد قدرتها على قيادته سياسياً؛ حين تفشل القوى السياسية في إنتاج خطاب قادر على تنظيم الوعي الجماعي، فإنها تتحول، بتعبير غرامشي، من قوة تاريخية إلى جهاز إداري، ومن مشروع تحرري إلى بيروقراطية تبحث عن شرعية شكلية.
غير أن الأزمة لا تقتصر على السياسة بوصفها ممارسة، بل تمتد إلى السياسة بوصفها خطاباً، فكما يوضح فوكو، ليست السلطة مجرد أدوات قمع، بل شبكة من الخطابات التي تنتج الحقيقة وتعيد تعريف الواقع، حين تصبح الانتخابات والتكنوقراط مفردات مركزية في الخطاب الفلسطيني، بينما يتراجع مفهوم التحرر والسيادة إلى الهامش، فإننا لا نشهد تحولاً إجرائياً، بل انقلاباً في نظام الحقيقة ذاته. هنا تتحول اللغة إلى أداة لإعادة إنتاج العجز، ويصبح الخطاب السياسي مرآة للهيمنة بدل أن يكون أداة لمقاومتها.
ومن منظور بورديو، يمكن فهم هذه اللحظة بوصفها أزمة في "الحقل السياسي"، حيث تفقد القوى التقليدية رأسمالها الرمزي، وتصبح غير قادرة على فرض تعريفها للواقع بوصفه تعريفاً شرعياً، حين تفقد الحركة الوطنية قدرتها على احتكار معنى القضية، فإنها تفتح المجال لتدخل الفاعلين الدوليين بوصفهم منتجين جدد للمعنى، لا مجرد أطراف داعمة. وهكذا، يتحول الفلسطيني من فاعل في التاريخ إلى موضوع لإعادة تعريفه من الخارج.
أما أرندت، فتمنحنا مفتاحاً إضافياً لفهم هذه اللحظة حين تميز بين السياسة بوصفها فضاء للفعل الحر، والإدارة بوصفها تنظيماً للحياة. ما يحدث في الحالة الفلسطينية هو انزلاق خطير من السياسة إلى الإدارة، من الفعل إلى التقنية، ومن الحرية إلى الضرورة. وحين تختزل القضية الفلسطينية في ترتيبات مؤسسية، فإنها تفقد بعدها الوجودي بوصفها مشروعاً للتحرر، وتتحول إلى مسألة قابلة للتنظيم لا للتغيير.
في هذا السياق، يمكن استدعاء أغامبين لفهم ما يجري بوصفه انتقالاً من السيادة إلى "حالة الاستثناء". غزة لا تُدار بوصفها فضاء سيادياً، بل بوصفها مساحة استثناء دائم، حيث تُعلّق القواعد، وتُدار الحياة بوصفها حياة عارية من الحقوق السياسية الكاملة. وحين تقبل النخب الفلسطينية بهذا الإطار، فإنها لا تواجه الاستثناء، بل تندمج فيه، وتعيد إنتاجه بخطاب محلي.
لكن المأساة، في بعدها الكنفاني، تكمن في أن الفلسطيني لم يعد فقط ضحية الاحتلال، بل ضحية اغتراب خطابه عن قضيته. فاللغة التي كان يفترض أن تكون أداة للمقاومة، تحولت إلى لغة إدارة، والخطاب الذي كان يفترض أن يفتح أفق التحرر، صار أداة لتطبيع العجز. هنا تتحقق المفارقة الكنفانية الكبرى: أن يُهزم الفلسطيني في اللغة قبل أن يُهزم في الميدان.
هل نحن، إذن، أمام لحظة نعي للحركة الوطنية الفلسطينية بصيغتها التقليدية؟ أم أننا أمام مخاض عنيف لولادة أشكال جديدة من الفعل السياسي، لم تتبلور بعد، لكنها تفرض نفسها بوصفها ضرورة تاريخية؟ هل ما نشهده هو نهاية سردية التحرر الكلاسيكية، أم بداية لغة سياسية جديدة لم تُكتب بعد؟
إن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالانتخابات أو التكنوقراط، بل بطبيعة الفعل السياسي ذاته. فحين تتحول القضية الفلسطينية من مشروع تحرر إلى ملف دولي قابل للإدارة، وحين يُعاد تعريف الشعب بوصفه موضوعاً للتدخل الدولي لا ذاتاً سياسية، فإننا نكون أمام انتقال جذري من منطق المقاومة إلى منطق الوصاية، ومن مفهوم السيادة إلى مفهوم الإدارة.
في هذه اللحظة، لا يكفي إصلاح المؤسسات، ولا تجديد الخطاب، ولا إعادة توزيع المواقع داخل النظام السياسي القائم. المطلوب هو قطيعة معرفية وسياسية مع نموذج استنفد إمكاناته، وإعادة بناء "كتلة تاريخية"، جديدة، بالمعنى الغرامشي، قادرة على إنتاج معنى جديد للحرية والسيادة والتمثيل. فإما أن يعيد الفلسطيني اختراع السياسة من جذورها، أو أن يُعاد تعريفه من الخارج بوصفه مجرد قضية قابلة للإدارة، لا مشروعاً للتحرر.

اخر الأخبار