إبستين – الموساد – ترامب الدولة العميقة الأمريكية… الوجه الآخر لفضيحة لم تُغلق
د. صالح الشقباوي
أمد/ لم تعد فضيحة جيفري إبستين مجرد ملف جنائي أو أخلاقي معزول، بل تحوّلت إلى مرآة كاشفة لبنية السلطة العميقة في الولايات المتحدة، وللصراع الخفي بين مراكز النفوذ داخل الدولة الأمريكية، وللعلاقات المعقدة بين السياسة، والاستخبارات، والمال، والجنس، والابتزاز. فالسؤال لم يعد: من هو إبستين؟ بل: لماذا الآن يُفرج عن الوثائق؟ ولمصلحة من؟
إبستين: فرد أم وظيفة؟
في التحليل السياسي-الأمني، لا تُقاس الشخصيات بحياتها الخاصة فقط، بل بوظيفتها داخل منظومة القوة. إبستين – وفق كثير من القراءات التحليلية المتداولة في الدوائر البحثية – لم يكن مجرد ملياردير منحرف، بل عقدة وصل داخل شبكة علاقات دولية موسادية ضمت سياسيين، ورجال مال، ونخباً فكرية، ورؤساء دول.
الجزيرة الخاصة، الطائرات، العلاقات العابرة للحدود… كلها عناصر لا تُقرأ بوصفها ترفاً، بل بنية عملياتية محتملة قائمة على الاستدراج، والتصوير، والتوثيق، ومن ثمّ الابتزاز السياسي.لصالح الموساد
وهنا لا يُطرح الأمر كحقيقة قضائية مثبتة، بل كسيناريو استخباراتي معروف في تاريخ الصراعات الدولية.
لماذا الإفراج عن الوثائق الآن؟
الإفراج الجزئي عن وثائق إبستين من قبل وزارة العدل الأمريكية لا يمكن فصله عن صراع الدولة العميقة مع دونالد ترامب. فالدولة العميقة – بمؤسساتها الاستخباراتية والقضائية والأمنية – لا تتحرك بدوافع أخلاقية خالصة، بل وفق منطق إدارة التوازنات ومنع الانفلات.
ترامب لم يكن رئيساً تقليدياً؛ حاول وضع يده على:
وزارة العدل
الـFBI
أجهزة الاستخبارات
القرار العسكري..
نشر وثائق ومعلومات وملف قتل الرئيس جون كندي
وهذا ما اعتُبر تهديداً مباشراً لبنية الحكم العميق، لا لشخصيات بعينها.
إبستين وترامب: ورقة ضغط أم تحذير؟
في هذا السياق، تُقرأ فضيحة إبستين بوصفها أداة ردع سياسية أكثر من كونها ملف عدالة.
ليس الهدف إسقاط أشخاص بأسمائهم فقط، بل إعادة رسم الخطوط الحمراء أمام أي رئيس يحاول تجاوز “الدور المسموح به”.
ومن هنا نفهم:
لماذا لم تُفتح كل الملفات دفعة واحدة
لماذا بقيت أسماء كبرى في منطقة رمادية
لماذا انتهت القضية بموت غامض لا بإجابات حاسمة
الفصل بين ترامب ونتنياهو: قرار دولة لا موقف أخلاقي
إحدى أهم نتائج هذا الصراع كانت محاولة الفصل الحاد بين ترامب وإسرائيل اليمينية المتطرفة، وبالتحديد بين:
اليمين الإنجيلي المسيحي في واشنطن
واليمين الصهيوني التوراتي في تل أبيب
الدولة العميقة الأمريكية رأت أن اندفاع ترامب، وتحالفه الشخصي مع نتنياهو، ومحاولته:
جرّ واشنطن إلى حرب مع إيران
توسيع الحرب في غزة
تحويل السياسة الخارجية إلى أداة شخصية
كلها خطوات تهدد الزعامة الأمريكية العالمية لا تحميها.
لماذا أُوقِف ترامب عند إيران؟
المفارقة أن البنتاغون – المرتبط بالصناعات العسكرية – قد يرى في الحرب فرصة اقتصادية،
بينما ترى الأجهزة الاستخباراتية أن:
ضرب إيران قد يشعل حرباً إقليمية غير قابلة للضبط
ويُسقط صورة “العقلانية الإمبراطورية” الأمريكية
ويفتح المجال أمام الصين وروسيا لملء الفراغ
ومن هنا نشأ التناقض داخل الدولة العميقة نفسها.
إبستين كعدسة لفهم الدولة العميقة
فضيحة إبستين ليست أصل الحكاية، بل عدستها.
من خلالها نرى:
كيف تُدار الأسرار
كيف تُستخدم الفضائح كأدوات ضبط
كيف تُفكك التحالفات عندما تخرج عن السيطرة
إنها ليست قصة رجل، بل قصة نظام يخشى أن يُختطف من رئيس لا يؤمن بالنظام.
خاتمة
الدولة العميقة الأمريكية لا تدافع عن الأخلاق، بل عن الاستمرارية.
ولا تحارب ترامب حباً في الديمقراطية، بل خوفاً من الفوضى.
أما إبستين، فبقي – حياً وميتاً – ملفاً مفتوحاً، لأن إغلاقه الكامل قد يفتح أبواباً لا تريد الدولة الأمريكية، ولا حلفاؤها،
