ترامب بين النرجسية والجنون .....

تابعنا على:   14:13 2026-01-18

أبو علي حسن

أمد/ لا أعرف إن كان علم النفس قد أعطى تحليلا دقيقا لشخصية ترامب الفريدة في سلوكها ، ليس في مجال السياسه وموقع المسؤوليه والسيكولوجيا ، إنما في مجال حياته الاجتماعية والاقتصادية والاعلاميه ، كثر هم من الكتاب من سلط الضوء على هذه الشخصية في محاولة لسبر جوهرها وتعقيداتها  بالعودة الى جذور نشأة عائلته وأبويه وشبابه وعلاقاته الاقتصادية والعقاريه المتشعبة ليصلوا الى أحكام مطلقه لا تتجاوز إطلاق  النرجسية المطلقه على شخصيته ، بيد أن النرجسية بمفهومها الدارج  كعشق الذات والاعجاب بصورة صاحبها ،  ربما تكون غير دالة أو مكتملة على طبيعة هذه الشخصيه المركبة  التي يمكن أن يطلق عليها عشرات الأوصاف أبعد وأعمق من النرجسية والتي تنفرد وتبتعد عن الطبيعة الإنسانيه في سلوكها حتى في أسوأ مظاهرها ، فشخصية "نارسيس" في الاساطير اليونانية والرومانيه الذي كان ماخوذا وعاشقا لجمال صورته المنعكسة في الماء ، هي بعيدة كل البعد عن شخصية ترامب المركبة والمعقده ، وقد نظلم كثيرا نارسيس" أو أي "نرجس" بالتاريخ حين نقاربه مع ترامب العجائبي  .
ترامب لم يرى وجهه على صفحة مياه صافية نقية كما " نرسيس" بانت فيها  ملامح وجهه ولون شعره البرتقالي  فأعجب بملامحه وهيئته وجماله . ، إنما رأى صورته على صفحات مياه آسنه متكسره  بألف شكل مع كل يوم وهي تتبدل وتتشكل في بداية نشأته المترفة في بيئة مختلفة وبين اقران يشابهونه في كوينز بنيويودك ، فالمال كان إلهه الذي يقوده ويشكل سلوكه وتصرفاته العدوانيه ، فرأى نفسه ملكا مبكرا  لا إنسانا عاديا أو شخصا غنيا وحسب ، إنما لم يرى الاخر موجودا إلا عبيدا عنده وتفوق عليهم ولا يعترف بتفوق أحدا عليه  ، بل يعتقد انه يصنع  الاخر ، فمن نشأته الاولى وضع نفسه في صف العظماء ولا يعترف بما قبله من العظماء بما فيهم الرؤساء الامريكيين ، فتوج نفسه ملكا منذ البدايه ، وكتب على موقع اكس "عاش الملك" وهو يرتدي تاج ملكي على رأسه  ، وعمل على تخليد اسمه بأن وضعه على كل ممتلكاته ومؤسساته وإبراجه وباراته . ولم يرعوي في وصف نفسه بأنه افضل رئيس أمريكي على الإطلاق،  ووصف سلفه بايدن بالرئيس النائم وأنه الأسوأ في التاريخ ، ووصف أوباما بالفظيع ، بل انه لم يعترف بانجازات والده التي ورثها عنه ، حين قال عنه "إن اهم إنجازات والده أنه أنجبه ..!! " هكذا ..في إشارة واضحة لقناعته بأنه حالة استثنائيه عبقريه ليس لأحد فضل عليه .
ومما لاشك فيه أنه شخصية تمتاز بالذكاء المكتسب من بيئة رجال  الأعمال وعباقرة المال وعالم المضاربات والرهانات حيث كان على علاقة وطيدة مع محاميه روي كوهين ممثل عائلات المافيا في نيويورك والمنغمس في الجريمة المنظمه وهو الذي برأه من عشرات أو مئات التهم التي وجهت اليه في سياق اعماله ومشاريعه المثيرة للجدل والذي إنقلب عليه لاحقا ..
إن هذا الذكاء والنباهة والفطنة هي تجسيد لعالمه الخاص الاناني المغلق   الذي نبت وترعرع وكبر فيه ، كما أنه يجسد "وعيا خاصا"  بطريقة تفكيره وعقيدتة الماليه  وعالم الصفقات العقاريه ، وليس وعيا عاما شموليا يمكنه من أن يكون في موقع الحكم الرشيد  مما جعلة يستثمر ويطبق هذا الذكاء والوعي العقاري وعقيدة الصفقه على نظام الحكم الذي يريد ، وحين سؤل عما اذا كان هناك حدود لصلاحياته العالميه ، أجاب : "نعم هناك شيء واحد ، قناعتي الاخلاقيه ، قناعاتي الشخصيه ، هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني " هذه هي حدود وعيه المتمحور حول ذاته ، فكل شيئ عنده مباح وقابل للصفقات ما دامت متوافقة مع أخلاقه وآراءه الشخصية ، ولا يعترف بغير ذلك كما لو أن أخلاقه وآراءه الشخصية هي حقائق مطلقه ، وعندما فشل في الانتخابات الرئاسية مع بايدن لم يعترف بالهزيمة ، وعمل على احتلال مبني الكونغرس من خلال مريديه ووعد بالعودة الى كرسي الرئاسه وعاد منتصرا.  
يتحدث عن نفسه كثيرا وأنه لا يخطئ في مراهناته السياسيه ودائما النجاح حليفه ، ويعشق كل شيئ في حياته ، فهو يحب الجمال ويختلط بأجمل النساء ، ولا عجب إن عرفنا أنه هو من أسس منظمة ملكة جمال الكون وهو الذي يشرف على ملكة جمال مراهقات أمريكا وهو الذي يرتاد قاعات المصارعة الحره ويشارك في مراهناتها ، ومعجبا بتوقيعه الذي يشبه حركة ضربات القلب ، ويتباهى به أمام الجمهور مع كل قرار ياخذه ..  
قبل ان يصبح رئيسا انبرى كاتبان أمريكيان وكتبا مؤلفا عن ترامب قبل ان تحسم معركة الانتخابات عام ٢٠١٦ لصالحه  تناولا فيه رواية ترامب وسياق تاريخه الشخصي والمالي والعقاري وعلاقته بالاعلام وعالم المضاربات ، وأثار هذا الكتاب جدلا واسعا في الأوسط الامريكيه على كل المستويات ، وكان عنوان  هذا المؤلف " ترامب بلا قناع " في سياق رحلة طموح وغرور ومال ونفوذ تضيئ على تاريخ الرجل وشخصيته المثيرة للجدل  ، وأعتقد أن هذا الكتاب ربما يكون الاكثر واقعية في تحليل الشخصيه على صعوبتها ..بيد أن كتابا آخر تناول هذه الشخصية بعد أن اصبح ترامب رئيسا عام ٢٠١٨ تحت اسم " نار وغضب " لمايكل  وولف ..وجل ما يتحدث الكتاب عنه أنه عنصري ومعادي للسود ولا يقبل أن يؤجر اي اسود من شققه التي تعد بالالاف ، وجشع الى ابعد الحدود ، ومضارب في كل المجالات ولا أمان له ....
وتشير المصادر الاعلاميه أن بيل غيتس وستين جوبز أو وارن بافت لم يحظون بشهرة ترامب على قصر رئاسته حيث تشير هذه المصادر  بنشر ٤٥٠٠ كتاب باللغة الانجليزيه عنه منذ توليه منصب الرئاسه ، مما يدلل بأن هذا الرجل هو في كل المقاييس حالة استثنائية في سلوكه ومنعطفات حياته وطريقة إدارته للحكم وعلاقاته مع الغير النديه ، وأنه شخصية اشكاليه وجدلية يصعب الوصول إلى وصفها ببعد واحد من أبعاد الشخصيه  ، فهي جمعت الكثير من المتناقضات في شخصه .
    كيف تجمعت هذه الأبعاد في شخصيته ، خشن الطباع وعدائي  لفرض حضوره والمواجهة مع الغير ، ولا يملك اي ميول للتعاطف مع الآخرين حتى معارفه ، فسرعان ما يختلف معهم ولا يرحمهم في عداءه لهم ، رجل عاش حياته بالطول والعرض بين النساء وحياة الجنس ، ولم يكن يوما موظفا تحت أمرة أحد ،فقد أعتبر نفسه قائدا مميزا منذ شبابه يقود الآخرين،  ولا يقوده أحد ، لا يقبل النقد وسريع الغضب ويرد على منتقديه الصاع صاعين ، ويرفض أن يطاطا رأسه أمام مهاجميه، يحب الإطراء بحثا عن مكاسب معنويه وينتشي سرورا أمام الجمهور وهو يراه يصفق له .
   لا أعتقد أن نرجسيا يملك هذه الابعاد المستوطنه في شخصية ترامب ، فالنرجسية لا تصل الى حدود نكران الاخر او العداوة مع الاخر او تتحول الى شخصية لصوصيه ، وهل وصف جنون العظمة يمكن أن يحتل مكانا في هذه الشخصية ، بدون شك ان جنون العظمة تسكن كل خلية في دماغه وجسده ، ولكن جنون العظمة ليس كافيا للحكم على هذا الرجل ،إنما جنون القوة والعظمة والنرجسية وكل الصفات الأخرى  تحتل داخل هذه الشخصيه مجتمعة مما يجعل هذه الشخصية حالة مرضيه في عالم السياسه والحياة الاجتماعيه  ، وهل قدر العالم اليوم بعد اختطافه لرئيس  دوله لها سيادتها ، والتهديد بالاستيلاء على جزيرة غرين لاند وتهديد كندا والمكسيك وكوبا ودول امريكا اللاتينيه وايران وعزمه على شراء غزه ..الخ وخوضه سبعة حروب أن ينتظر مجنونا يشعل حربا أبعد أكبر من الحروب الإقليمية تفوق حروب هتلر وعظمته ...  

اخر الأخبار