بين وهم العودة وواقع الرسائل القاسية: قراءة هادئة في المشهد الغزّي

تابعنا على:   13:44 2026-01-16

سامي إبراهيم فودة

أمد/ في السياسة، لا تُقاس النوايا بحسنها، بل بنتائجها. ولا تُقرأ الخطوات بمعزل عن موازين القوة ولا عن الرسائل المعلنة والخفية التي تتبادلها الأطراف. ما جرى مؤخرًا في غزة، عقب الإعلان عن تشكيل لجنة جديدة لإدارة شؤون القطاع، يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل هناك قراءة واقعية للمشهد؟ أم أننا أمام تكرار لمحاولات اصطدمت سابقًا بجدار الدم والنار؟
المشهد كما هو، لا كما يُتمنى
يبدو أن حركة حماس، من خلال هذه الخطوة، افترضت أن بالإمكان العودة إلى إدارة الحياة اليومية في غزة بشكل علني، وكأن الحرب وما بعدها لم تغيّر قواعد اللعبة. غير أن الواقع، كما أثبتت الأيام الأخيرة، أكثر قسوة. الرسالة الإسرائيلية التي وصلت بوضوح، سواء بشكل مباشر أو عبر الوسطاء، لم تترك مجالًا للتأويل: بنك الأهداف مفتوح، والعمل العسكري والسياسي مستمر، ولا قبول بأي صيغة حكم أو إدارة تُنسب لحماس في القطاع.
هذه ليست رسالة تكتيكية عابرة، بل موقف استراتيجي ثابت، تدعمه مواقف دولية وإقليمية، ويُترجم على الأرض نارًا وحصارًا وضغطًا مستمرًا.
السؤال الأخطر: من يدفع الثمن؟
وسط هذا الاشتباك السياسي، يبرز السؤال المؤلم: لماذا تُدفع أرواح الشباب مرة أخرى إلى واجهة الخطر؟ ما الجدوى من محاولة تثبيت شكل حكم، ولو على جزء من قطاع مدمر، بلا بنية تحتية، بلا اقتصاد، وبلا أفق سياسي؟
غزة اليوم ليست ساحة صراع نظري، بل جغرافيا منكوبة، منهكة، يعيش أهلها على حافة الكارثة الإنسانية. أي خطوة سياسية لا تضع هذا الواقع في صلب حساباتها، تتحول من فعل مقاومة أو إدارة، إلى مغامرة مكلفة يدفع ثمنها الناس لا القيادات.
أزمة القرار أم أزمة التخطيط؟
المشكلة لا تبدو فقط في القرار ذاته، بل في منطق التفكير الذي يقف خلفه. هل هناك تقدير حقيقي لتوازن القوى؟ هل تُحسب ردود الفعل الإسرائيلية والدولية بدقة؟ أم أن الحسابات الداخلية، والرغبة في إثبات الحضور والسيطرة، تطغى على قراءة الواقع؟
الأخطر من ذلك: من يخطط؟ ومن يراجع؟ وهل هناك مساحة حقيقية للنقد داخل دوائر صنع القرار، أم أن المسار يُرسم في دائرة ضيقة، بعيدة عن نبض الشارع ومعاناة الناس؟
السياسة ليست تحديًا لفظيًا
السياسة، خصوصًا في السياق الفلسطيني، ليست استعراضًا للقدرة على الصمود فقط، بل فن تقليل الخسائر وحماية الإنسان قبل الشعارات. استمرار التحدي في اتجاه واحد، دون امتلاك أدوات تغييره، لا يُربك الخصم بقدر ما يستنزف المجتمع نفسه.
في ختام سطور مقالي
غزة لا تحتمل مزيدًا من التجارب، ولا مزيدًا من الرهانات الخاطئة. المرحلة تتطلب عقلًا باردًا، وقراءة شجاعة للواقع، وقرارات تنطلق من سؤال واحد: كيف نحمي الناس، لا كيف نثبت الحكم؟
فالتاريخ لا يرحم من يخلط بين الصمود والعناد، ولا بين الإدارة والحسابات الضيقة.

اخر الأخبار