أمام صمت ترامب وموقف "الناتو"..
مطالب أوروبية بتشكيل قوة عسكرية بديلة: 100 ألف جندي
أمد/ بروكسل: أكد مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس يوم الأحد أن أوروبا تواجه ضغوطا أمنية غير مسبوقة في ظل استمرار التهديد الروسي وتزايد المؤشرات على انكفاء الولايات المتحدة عسكريا عن القارة الأوروبية لصالح منطقة المحيطين الهندي والهادئ داعيا إلى إنشاء قوة عسكرية أوروبية دائمة قوامها 100 ألف جندي لتشكيل العمود الفقري للدفاع الأوروبي.
جاء ذلك في كلمة ألقاها كوبيليوس خلال مشاركته في مؤتمر (الشعب والدفاع – المؤتمر الوطني 2026) تحت عنوان (أوروبا تحت الضغط) حيث شدد على أن مستقبل الأمن الأوروبي يتطلب "قفزة نوعية" في الجاهزية الدفاعية ليس فقط على مستوى التمويل والتسليح بل أيضا على المستوى المؤسساتي والسياسي.
وأوضح أن ميزانية روسيا العسكرية تعادل نحو 85 بالمئة من إجمالي إنفاق الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الدفاع مؤكدا أنه لا توجد مؤشرات على استعداد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإنهاء نهج اقتصاد الحرب حتى في حال التوصل إلى تسوية سلمية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تطالب الأوروبيين صراحة بتحمل المسؤولية الكاملة عن الدفاع التقليدي للقارة وهو مطلب "لا يمكن لأوروبا الاعتراض عليه" ما يفرض بحسب قوله تسريع تنفيذ أجندة (الجاهزية الدفاعية 2030) التي أطلقها الاتحاد الأوروبي منذ بداية الولاية الحالية للمفوضية.
وأضاف كوبيليوس أن مفهوم الاستقلال الدفاعي الأوروبي لا يعني الخروج من حلف شمال الأطلسي (ناتو) بل الاستعداد للدفاع عن أوروبا ضمن الحلف ولكن مع حضور أمريكي أقل بكثير لافتا إلى أن مرحلة "السلام الأمريكي" قد انتهت كما عبر عن ذلك مؤخرا المستشار الألماني فريدريش ميرتس.
وفي هذا السياق طرح مفوض الدفاع ثلاث ركائز أساسية للجاهزية الدفاعية الأوروبية تتمثل في الجاهزية المادية (التمويل والإنتاج والتسليح) والجاهزية المؤسسية (آليات التنظيم والقيادة) والجاهزية السياسية (الإرادة للردع والدفاع والقتال عند الضرورة) محذرا من أن فشل أي ركيزة منها يعني فشل المنظومة الدفاعية بأكملها.
وانتقد كوبيليوس الاعتماد على ما وصفه ب"الجيوش الوطنية المصغرة" مؤكدا أن ضخ المزيد من الأموال في هياكل دفاعية مجزأة لن يحقق الاستقلال الدفاعي المنشود.
وتساءل في هذا الإطار عن كيفية تعويض القوة العسكرية الأمريكية الدائمة في أوروبا التي يبلغ قوامها نحو 100 ألف جندي معتبرا أن البديل الواقعي لا يمكن أن يكون الاعتماد على دولة بعينها أو على تجميع 27 جيشا وطنيا محدود القدرات بل عبر إنشاء "قوة عسكرية أوروبية موحدة وقائمة بذاتها" بنفس الحجم.
كما دعا إلى بحث إنشاء "ركيزة أوروبية داخل حلف الناتو" تتضمن قيادة أوروبية موحدة وهيكل قيادة وسيطرة ومقر عمليات أوروبي في حال تراجع الدور الأمريكي.
وفي جانب الإصلاح المؤسسي اقترح كوبيليوس تفعيل فكرة إنشاء "مجلس أمن أوروبي" بصيغة رسمية يضم عددا محدودا من الدول الأعضاء الأساسية مع أعضاء بالتناوب إضافة إلى رئاسة المفوضية والمجلس الأوروبي مع إشراك المملكة المتحدة عند مناقشة القضايا الأمنية الأوسع معتبرا أن هذا المجلس سيكون منصة قيادية موحدة لاتخاذ قرارات دفاعية سريعة وفعالة.
وأشار إلى أن أول اختبار حقيقي لمثل هذا المجلس سيكون ملف أوكرانيا محذرا من أن الاكتفاء بمستوى الدعم الحالي قد يؤدي إلى تدهور الوضع الميداني لصالح روسيا في ظل غياب أي مؤشرات على قبول موسكو بخطط السلام.
مخاوف أوروبية
ويأتي هذا الطرح في وقت أثارت فيه مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا سيما تصريحاته بشأن رغبته في السيطرة على غرينلاند مخاوف متزايدة لدى حلفاء واشنطن في الناتو حول موثوقية الالتزام الأمريكي بأمن أوروبا ما دفع عددا من الدول الأوروبية إلى تسريع جهود تعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة التهديدات الروسية.
كما أثار صمت حلف شمال الأطلسي "الناتو" رداً على تهديدات دونالد ترامب بالاستيلاء على غرينلاند، قلقاً بين العواصم الأوروبية التي تخشى من أن الحلف يفشل في الدفاع عن حقوق الدنمارك، وفق تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز".
وسلطت الصحيفة، في تقرير لها، الضوء على عدم إصدار الحلف بيانا رسميا يؤكد فيه سلامة أراضي الدنمارك وغرينلاند وسيادتهما، وعدم رده على طموح الرئيس الأمريكي المعلن للاستيلاء على هذه الجزيرة القطبية الشاسعة التي تُعد جزءا من مملكة الدنمارك.
وأثار ذلك الموقف، بحسب التقرير، غضب الأعضاء الأوروبيين الذين يحاولون تقديم جبهة موحدة وتخفيف التوترات عبر الأطلسي، ويتناقض ذلك بشكل صارخ مع الجهود الأخيرة للاتحاد الأوروبي للالتفاف حول كوبنهاغن.
غياب غير معتاد
وغاب مارك روته، الأمين العام للحلف، الذي تربطه علاقة ودية مع ترامب، بشكل غير معتاد عن هذه القضية الأمنية الحساسة التي تمس عضويته. ولم تُؤخذ بعدُ المقترحات الواردة من باريس وعواصم أخرى لتعزيز نشاط "الناتو" في غرينلاند بعين الاعتبار.
وفي حين يقر المسؤولون الأوروبيون بأن الدور المحوري للولايات المتحدة في التحالف العسكري يحد من خياراتها للرد، قال كثيرون إن غيابها عن الأزمة يهدد بتعزيز الشعور بإفلات ترامب من العقاب في التعامل مع الحلفاء واستغلال اعتماد أوروبا الأمني على واشنطن.
وقالت جورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا: "بما أننا نتحدث بوضوح عن دول حليفة في الناتو، فينبغي على الحلف أن يبدأ نقاشاً جاداً حول هذا الموضوع... من أجل تخفيف الضغط على هذه القضية أو الحد منه. هذا النقاش يجب أن يشمل الناتو".
خيار الحرب
واتهم ترامب الدنمارك بالتقصير في حماية الجزيرة بشكل كافٍ والاستثمار في أمنها، على الرغم مما يزعمه من تصاعد النشاط البحري الروسي والصيني حولها. وصرح البيت الأبيض بأن العمل العسكري "خيار مطروح" إلى جانب عمليات الشراء أو غيرها من الوسائل للسيطرة عليها.
وشكّل ذلك تحدياً بالغ الصعوبة لحلف الناتو وروته، فغزو الولايات المتحدة أو محاولتها ضمّ المنطقة من شأنه أن يعني صراعاً مباشراً بين حليفين؛ ما يثير الشكوك حول بند الدفاع المشترك في المادة الخامسة، الذي يعتبره العديد من الأعضاء جوهر وجود الحلف.
قال مسؤول في الاتحاد الأوروبي: "إنهم يلتزمون الصمت بشكل لافت. كان من المفترض أن يكون روته الرجل الذي يمكن لأوروبا الاعتماد عليه في تهدئة ترامب. لكن لم يكن من المفترض أن يكون بهذا الهدوء".
بدوره، قال مسؤول دبلوماسي في الحلف: "بالطبع، من الصعب مناقشة هذه الأمور داخل الحلف. لكن عدم مناقشتها يوحي بأننا جميعا راضون عما يحدث".
جهد دبلوماسي
ولم يصدر التحالف أي تصريحات علنية، ولم يقدم روته، الذي عادة ما يكون حاضراً في كل مكان في المناقشات حول الأمن الأوروبي الأطلسي، سوى رد لمدة 60 ثانية على سؤال أحد المذيعين التلفزيونيين بشأن الأزمة.
وقالت المتحدثة باسم "الناتو" أليسون هارت للصحيفة: "رغم أننا لن نكشف عن تفاصيل المناقشات الدبلوماسية، إلا أن الأمين العام يعمل بشكل وثيق مع القادة وكبار المسؤولين على جانبي المحيط الأطلسي، كما يفعل دائماً".
من جهته، قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الأحد، إنه سيتناول هذه القضايا خلال رحلة إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، يوم الاثنين.
وأضاف: "الأمن في القطب الشمالي بات يكتسب أهمية متزايدة. أريد أن أستغل رحلتي لمناقشة أفضل السبل التي يمكننا من خلالها في حلف الناتو تحمل هذه المسؤولية معاً، في ظل التنافسات القديمة والجديدة في المنطقة التي تشمل روسيا والصين".
وتقول الصحيفة إنه "خلال معظم العام الماضي، اتبعت كوبنهاغن نهجاً هادئاً تجاه قضية غرينلاند، متجنبة الإدلاء بتصريحات علنية رداً على التصريحات التحريضية الصادرة عن ترامب أو إدارته، وحثت حلفاء الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو على فعل الشيء نفسه. لكن تم التخلي عن هذا التكتيك هذا الأسبوع".
