الرؤية من جانب اخر
سامي ابو لاشين
أمد/ تعقيب على مقال الأستاذ إبراهيم المدهون ابو محسن حول الانتخابات التكميلية لحركة خماس
لا يمكن لأي قراءة منصفة لتجربة حركة خماس أن تتجاوز حقيقة الانضباط التنظيمي والالتزام الصارم الذي يميّز أفرادها، وهي سمة لافتة، بل مثيرة للإعجاب، بغضّ النظر عن الخلاف السياسي أو الفكري معها. فالانضباط المؤسسي يعزّز هيبة أي حركة أو حزب، ويمنحه قدرة أعلى على الاستمرار في ظروف قاسية، وهذا أمر لا يُنكر ولا ينبغي التقليل منه.
ومن هذا المدخل، أسمح لنفسي، أخي أبو محسن، أن أعلّق على نقطتين وردتا في المقال، بهدوء ومسؤولية، ومن موقع الحرص على الحقيقة.
أولًا:
الحديث عن الديمقراطية الداخلية والعمل وفق نظم ولوائح تسري على الجميع صحيح داخل الإطار التنظيمي لخماس، لكنه يبقى حالة خاصة لا يجوز تعميمها على المجتمع الأوسع. فهذه القيم، مهما كانت راسخة داخل الحركة، لم تنعكس على حياة المواطن العادي في غزة بنفس الدرجة.
الديمقراطية حين تبقى محصورة في التنظيم، ولا تتحول إلى ممارسة عامة تحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع، تظل ناقصة الأثر، بل قد تتحول – من حيث لا يُقصد – إلى مصدر مفارقة موجعة بين ما يُدار في الداخل الحركي وما يعيشه الناس في الخارج.
ثانيًا:
وصف قدرة خماس على إعادة ترميم بنيتها القيادية والسياسية والعسكرية بأنها “معجزة تنظيمية” تُعزى إلى “حاضنة شعبية صلبة”، يحتاج إلى مراجعة واقعية أكثر صراحة.
فبقاء الحركة في غزة لا يعود، برأيي، إلى فائض قبول شعبي أو التفاف جماهيري كما يُصوَّر، بل إلى غياب بديل وطني مقبول لدى الناس، وإلى واقع قهري فرضته سنوات الانقسام والحصار والحرب.
الحقيقة القاسية أن الفجوة بين خماس وجمهور واسع من أهل غزة لم تعد تفصيلًا عابرًا، بل اتسعت إلى درجة بات ردمها بالغ الصعوبة. الصمود هنا لا يعني بالضرورة الرضا، والاستمرار لا يساوي التفويض الشعبي، والبقاء في السلطة ليس دليلًا على متانة العلاقة مع المجتمع، بقدر ما هو انعكاس لانسداد الأفق وانعدام الخيارات.
إن القوة المجتمعية الحقيقية لا تُقاس بقدرة التنظيم على إعادة إنتاج ذاته، بل بقدرته على إعادة بناء الثقة مع الناس، والاستماع لآلامهم، والاعتراف بأخطائه قبل الاحتفاء بإنجازاته.
وفي الخلاصة،
قد تكون خماس نجحت في حماية بنيتها التنظيمية، لكنها لم تنجح بعد في حماية علاقتها بالمجتمع من التآكل. والفرق بين الأمرين جوهري.
فالحركات لا تُهزم فقط حين تسقط قياداتها، بل حين تتسع المسافة بينها وبين الناس، وحين يصبح بقاؤها نتيجة غياب البديل لا حضور القناعة.
وهنا بالضبط يبدأ السؤال الأصعب، والأكثر إلحاحًا، والذي لا يمكن لأي حركة – مهما بلغت قوتها – أن تؤجله طويلًا.
