إلحاق مزيد من الأذى
إنهاء خدمات 650 موظفًا فلسطينيًا في يوم واحد مع تسريع لازاريني تفكيك الأونروا قبيل رحيله
نادين قدورة
أمد/ يشرف المفوض العام لوكالة الأونروا، فيليب لازاريني، على تفكيكٍ متعمّد للوكالة عبر إنهاء خدمات الموظفين الفلسطينيين جماعيًا بذريعة إدارية زائفة، وذلك في الأسابيع الأخيرة من ولايته.
في غزة اليوم، وبناءً على تعليماته المباشرة، تُصدر رسائل إنهاء خدمة بمفعول فوري لأكثر من 620 معلّمًا وموظفًا فلسطينيًا، كانوا قد عُلّقوا عن العمل قبل أقل من عام ووُضعوا عمدًا في حالة خنق مالي عبر ما سُمّي بـ«الإجازة الاستثنائية». أُبعدوا عن وظائفهم، جُرّدوا من دخلهم، عُزلوا عن مهامهم، وتُركوا في حالة هشاشة قسرية. والذريعة ذاتها التي تُعاد بلا خجل ليست سوى «الأزمة المالية المستمرة».
رسائل إنهاء الخدمة التي اطّلعنا عليها وتحققنا منها تنص على ما يلي:
«بعد مراجعة دقيقة، قرر المفوض العام، وعملاً باللائحة الإدارية للموظفين 9.1، إنهاء عقود الموظفين لمصلحة الوكالة»،
مع إلحاق عبارات «الأسف» بشكل آلي، قبل الإعلان عن أن الخدمة «منتهية بمفعول فوري».
هذه العبارات زائفة. جميعها. ادعاءات «المراجعة الدقيقة» و«الأسف» و«مصلحة الوكالة» ليست مضللة فحسب، بل غير صحيحة عن علم، وسيُكشف زيفها أمام محكمة الأمم المتحدة. تعتمد إشعارات الإنهاء لغة نمطية لإخفاء قرارات اتُّخذت بسوء نية، مسبقًا، ولغرض غير مشروع.
يُستخدم الادعاء بـ«مصلحة الوكالة» لتبرير الإقصاء غير القانوني للموظفين الفلسطينيين. ويخفي ادعاء «المراجعة الدقيقة» نتائج محسومة سلفًا منذ شباط/فبراير 2025. أما «الأسف» فلا يؤدي أي وظيفة قانونية سوى التجميل اللفظي لفعل إداري قاسٍ. هذه المصطلحات في حقيقتها تحريف للوقائع صُمّم لاصطناع مشروعية حيث لا وجود لها، ولتحصين القرارات من المساءلة والتدقيق القضائي وتحمل المسؤولية.
على مدى اثني عشر عامًا متتالية، عملت الأونروا بعجز سنوي يتراوح بين 100 و120 مليون دولار. ولم يُطرح في أي وقت خلال تلك السنوات خيار الإنهاء الجماعي للموظفين الفلسطينيين كإجراء تصحيحي—لا لأنه أُغفل، بل لأنه لم يكن يومًا خيارًا مشروعًا.
عجز الأونروا ليس استثناءً؛ بل هو حالة معروفة وبنيوية ومُستدامة سياسيًا. الدول المانحة قبلت—بل صمّمت—نموذجًا تعمل فيه الوكالة بعجز دائم. إجراءات التقشف، وتجميد التوظيف، وضغط البرامج لم تُنهِ العجز ولم تُقصد لذلك. ومع ذلك، واصلت الوكالة عملها وتقديم خدماتها وتنفيذ ولايتها كل عام.
لم يتغير شيء في كانون الثاني/يناير 2026 سوى قرار إنهاء خدمات مئات الموظفين الفلسطينيين في غزة والأردن، وقريبًا في لبنان.
ولاية الأونروا ليست بند إنفاق اختياريًا؛ إنها التزام قانوني بتوظيف اللاجئين الفلسطينيين لخدمة اللاجئين الفلسطينيين في التعليم والصحة والإغاثة والحماية والبنية التحتية والتمويل الصغير. ولمن لا يعلم: توظيف اللاجئين الفلسطينيين ليس ملحقًا بالولاية؛ إنه الولاية نفسها.
وعليه، فإن إنهاء خدمات المعلّمين ليس تعديلًا ماليًا، بل تفكيك متعمّد للولاية تحت ذريعة كاذبة هي الضرورة المالية. ما يجري تقليصه ليس الكلفة، بل الحضور الفلسطيني.
لا يملك المفوض العام سلطة قانونية أو أخلاقية لتجويف ولاية الأونروا تحت غطاء الإدارة المالية. سلطة الإدارة لا تشمل سلطة التفكيك، ولا تمتد الصلاحيات المالية إلى إطفاء الغاية التي وُجدت الوكالة من أجلها.
تتجذر فظاعة هذه القرارات في الهرمية التي تسندها. فالمدير بالإنابة في غزة—رجل أبيض من أوروبا الغربية—نُصّب بتعيين مخالف للإجراءات وفي انتهاك مباشر للقواعد، كما أكّد تحقيق جرى بإشراف الأمين العام، ومع ذلك لا يزال في منصبه بلا محاسبة، ويتقاضى أكثر من 17 ألف دولار شهريًا، بينما يُنهى عمل معلّمين فلسطينيين لا تتجاوز رواتبهم ألف دولار.
تتذرع الإدارة الآن بالإلحاح والحتمية وغياب البدائل. لا يصمد أي منها أمام التدقيق. الظروف المالية معروفة ومزمنة، والتوقيت يفضح التصميم. تُنفَّذ الإنهاءات بينما لا تزال الطعون الجماعية ضد التعليق غير القانوني منظورة أمام المحكمة، ومع اقتراب نهاية ولاية المفوض العام.
أكثر من 420 معلّمًا قدّموا بالفعل طعنًا جماعيًا أمام محكمة الأمم المتحدة، يطعنون فيه بشرعية تعليقهم وحرمانهم من الرواتب. تسريع المفوض العام نحو الإنهاء ليس إلا محاولة محسوبة لجعل الطعون بلا موضوع عبر تفعيل اللائحة 9.1، وادعاء «مراجعة دقيقة» ثم إعلان انتهاء العقود «لمصلحة الوكالة». تُسرَّع القرارات لاستباق الرقابة القضائية وفرض وقائع نهائية قبل قيام المساءلة.
وهذه في الحقيقة المرحلة الافتتاحية لاستراتيجية أوسع …
[17:11, 1/6/2026] ادوارد كتوره: لم يعد المخطط قابلًا للإنكار.
تُفكَّك الأونروا من الداخل عبر طاقم إدارة عليا من أوروبا الغربية يواصل استخدام لغة إنسانية بينما يفرض عقابًا جماعيًا على الفلسطينيين—كثيرون منهم ينعون أفرادًا من عائلاتهم قُتلوا على يد الحكومة ذاتها التي تخدم هذه الإجراءات أهدافها السياسية.
لم يُبدِ أي مدير أو مسؤول رفيع من أوروبا الغربية داخل الأونروا شجاعة أخلاقية لوقف هذه الأفعال. لم يعترض أحد. لم يرفض أحد تنفيذها. يحتفظ هؤلاء بمناصبهم عبر تنفيذ القرارات بلا مساءلة أو مقاومة. ولاؤهم ليس للولاية ولا للاجئين الفلسطينيين، بل لبقاء المؤسسة. وبهذا المعنى يعملون كمرتزقة: مجزِيّو الأجر، محصَّنون من العواقب، ويُقدَّرون فقط لامتثالهم.
أما المفوض العام، فلا شيء يخسره. تنتهي ولايته في آذار/مارس 2026. خروجه مضمون، وكذلك على الأرجح المقربون منه. تُتخذ القرارات بيقين أن العواقب لن تلحق—بل على العكس: قد تُكافأ، وتُستوعَب في مناصب أخرى، وتُعوَّض من حكومات غربية تواصل دعم إبادة الشعب الفلسطيني، ويُعاد تموضعها داخل منظومة الأمم المتحدة لمواصلة الممارسات التمييزية نفسها تحت لافتات مؤسسية مختلفة.
إن قرار إنهاء خدمات 650 موظفًا فلسطينيًا في يوم واحد، في الأسابيع الأخيرة من ولاية المفوض العام، غير مسبوق في تاريخ الأمم المتحدة والأونروا. إجراء بهذا الحجم، لا رجعة فيه، ومُنفَّذ قبيل نهاية ولاية تنفيذية، يثير أسئلة جدية حول مشروعية استمرار تمكين المفوض العام من ممارسة سلطة تنفيذية مطلقة. حين يُسارع مسؤول رفيع إلى قرارات لا رجعة فيها بهذا الاتساع قبيل الرحيل، لا يعود الأمر «تقديرًا إداريًا»، بل إساءة استخدام للسلطة ترقّبًا للخروج.
يستوجب هذا السلوك التدقيق لا في القرار وحده، بل في الظروف التي اتُّخذ فيها: هل قُدّمت تطمينات؟ هل جرى تحييد العواقب مسبقًا؟ هل عُلّقت المساءلة فعليًا؟ في أي سياق مؤسسي آخر، كانت هذه الظروف ستستدعي تقييدًا فوريًا، أو رقابة، أو سحبًا للتفويض.
فأين الأمين العام للأمم المتحدة من كل ذلك؟ ما المبرر للسماح لمفوض عام على وشك المغادرة، فيليب لازاريني، باتخاذ قرارات تاريخية في أشهره الأخيرة، بعواقب ستطول زمنًا وتُلقى كاملة على عاتق الموظفين الفلسطينيين؟
في الأساطير، حين تخلّت القوة عن الإنسانية، كان بروميثيوس من تحدّاها، سرق النار وهو يعرف الثمن—لا طلبًا للاعتراف ولا إذنًا—بل لأن البقاء استلزم الفعل. لم ينتظر الإجماع. تحرّك لأن اللافعل كان يعني الدمار.
فمن سيتحرّك من أجل موظفي الأونروا الفلسطينيين؟
من سيتحدى الآلة بدل الاستمرار في خدمتها؟
من سيتدخل حين تُسلَّح القانونية ويُستعمل الإجراء لمحو سبل العيش؟
يُمحى موظفو الأونروا الفلسطينيون بينما يشاهد العالم ذلك في الزمن الحقيقي. بعضهم يدفن عائلته. آخرون ينامون في ملاجئ. والآن يُبلَّغون رسميًا وبأدب وبمفعول فوري بأن سبل عيشهم لم تعد مسموحة بالبقاء.
هكذا تُقتل الولاية: بهدوء، وبمكر، ومن الداخل، على يد المسؤول نفسه—السيد لازاريني—المكلّف بحمايتها، في انتهاك مباشر للقسم المرتبط بمنصبه.
فأين بروميثيوس الآن؟ من سيتحدى القوة حين يتطلب البقاء ذلك، بدل إدارة الأذى باسمها؟
يقوم النظام الإنساني على مبدأ واحد غير قابل للتفاوض: عدم إلحاق الضرر. ما يجري هنا هو قلبٌ متعمّد لهذا المبدأ: إلحاق مزيد من الضرر—إنهاء المزيد من وظائف الفلسطينيين، تجريد سبل العيش، تعميق التهجير، ومواءمة القرارات الإدارية مع الهدف المُعلن للحكومة الإسرائيلية بتفكيك الأونروا وتقليص الوجود الفلسطيني في غزة.
نعم: إلحاق مزيد من الأذى—بمنهجية وبقصد—رسالة إنهاء تلو أخرى.
لا لأنه قانوني. ولا لأنه حتمي. بل لأن من يصرّح به محصَّن من العواقب، ويحسب أن الأرواح والعمل والحقوق الفلسطينية يمكن إطفاؤها إداريًا بلا كلفة.
هكذا يشارك مسؤولون كبار مثل لازاريني في عملية المحو: باختيار الأذى، وتفويضه على الورق، وفرضه دون إطلاق رصاصة واحدة.
سيتذكركم الفلسطينيون لأنكم فشلتم في حمايتهم، وفشلتم في صون الولاية الموكلة إليكم، واخترتم عن وعي إلحاق الأذى بهم—لا فرق في النهاية بينكم وبين من يعلن عداوته لهم صراحة.
