عامٌ جديد، واحتمالاتٌ مفتوحة أمام الفلسطينيين...قراءة استشرافية

تابعنا على:   13:28 2026-01-02

: د. عبد الرحيم جاموس

أمد/ يمرّ الفلسطينيون بمرحلة استثنائية من تاريخهم الحديث، حيث يُغلق عامٌ حافل بالأحداث الدامية والتحولات العميقة، ويفتح عامٌ جديد دون مؤشرات واضحة على انفراج قريب.
وبين واقعٍ سياسي وأمني معقّد، وأوضاع إنسانية بالغة القسوة، تبرز الحاجة إلى قراءة هادئة تقوم على تقدير الاحتمالات لا إطلاق التوقعات الجازمة.
هذه القراءة لا تنطلق من الرغبات، بقدر ما تستند إلى موازين القوى القائمة، وطبيعة التفاعلات الإقليمية والدولية، وما تشهده الساحة الفلسطينية من تحديات داخلية متراكمة.
غزة: تهدئة محتملة وإشكاليات مفتوحة
في قطاع غزة، يبدو أن الاحتمال الأكثر حضورًا يتمثل في استمرار حالة التهدئة الأمنية، إن جرى تثبيتها، دون أن تقترن بمسار سياسي واضح. فالمؤشرات المتاحة لا توحي بانتقال قريب نحو حل شامل، بقدر ما تشير إلى إدارة للأزمة، هدفها منع الانفجار لا معالجة جذوره.
إعادة الإعمار، إن بدأت، ستظل مرتبطة بشروط سياسية وأمنية، وقد تسير بوتيرة بطيئة ومجزأة.
أما الحصار، فإن احتمال رفعه بصورة شاملة يظل محدودًا، مقابل احتمال إعادة تنظيمه بصيغ مختلفة، عبر تسهيلات جزئية لا تُخرج القطاع من أزمته البنيوية.
التحدي الأكبر هنا لا يقتصر على الواقع المعيشي، بل يتصل بخطر ترسيخ التعامل مع غزة كقضية إنسانية منفصلة عن سياقها الوطني والسياسي.
الواقع الفلسطيني الداخلي: استمرار المأزق
على الصعيد الداخلي، لا تزال الساحة الفلسطينية تعاني من حالة انقسام عميق، تحوّل مع الوقت إلى أزمة بنيوية في النظام السياسي.
وفي ظل غياب مؤشرات عملية على مراجعة وطنية شاملة، يبقى احتمال استمرار الجمود قائمًا بقوة.
قد تشهد المرحلة القادمة محاولات لترتيبات إدارية أو مؤسسية، خاصة في قطاع غزة، غير أن هذه الخطوات، إن لم تقترن بمعالجة جوهرية لقضايا الشراكة السياسية، ووحدة القرار، وتجديد الشرعيات، ستظل محدودة الأثر.
إسرائيل: إدارة الصراع وتعميق الوقائع ...
إسرائيليًا، لا تلوح في الأفق إشارات إلى توجه حقيقي لإنهاء الصراع.
فالسياسات المعلنة والممارسة على الأرض ترجّح احتمال الاستمرار في إدارة الصراع، عبر تعميق الوقائع القائمة، خصوصًا في الضفة الغربية، من خلال التوسع الاستيطاني، والإجراءات الأحادية التي تقوّض إمكانيات الحل السياسي.
وفيما يخص قطاع غزة، سيبقى التعامل معه محكومًا بالاعتبارات الأمنية، وبمنطق الاحتواء والردع، دون استعداد لمعالجة القضايا الجوهرية المرتبطة بالاحتلال والحصار.
التطبيع وتكتل حل الدولتين: تأثير محدود
أما فيما يتعلق بسياسات التطبيع مع بعض الدول العربية، فإن المعطيات الحالية تشير إلى استمرار هذه السياسات ضمن إطار المصالح الثنائية، دون أن تُترجم إلى ضغط فعلي على إسرائيل لدفعها نحو تسوية عادلة.
بل إن هذا المسار، بصيغته الراهنة، ساهم في تقليص هامش التأثير العربي الجماعي في القضية الفلسطينية.
في المقابل، يبرز دور تكتل الدول الداعمة لحل الدولتين كمحاولة لإعادة إحياء المسار السياسي. ورغم ما يوفره هذا التكتل من غطاء سياسي ودبلوماسي، إلا أن تأثيره العملي يظل محدودًا في ظل استمرار الانحياز الأمريكي لإسرائيل، وغياب أدوات ضغط ملزمة.
يبقى احتمال أن يسهم هذا التكتل في دعم السلطة الفلسطينية سياسيًا وماليًا، والحيلولة دون إضعافها أو تجاوزها، قائمًا، لكنه يظل مشروطًا بقدرة السلطة نفسها على تعزيز شرعيتها الداخلية، وتفعيل مؤسساتها، واستعادة ثقة الشارع الفلسطيني.
أما ردع الإجراءات الإسرائيلية، فلا يزال احتمالًا ضعيفًا ما لم يترافق مع خطوات دولية عملية تتجاوز بيانات الإدانة، وتصل إلى مستوى المساءلة القانونية وربط العلاقات بالتزامات واضحة وفق القانون الدولي.
احتمال الأمل: مسؤولية داخلية ...
رغم قتامة المشهد، لا يمكن إغفال احتمال أن يشهد العام الجديد تحولات إيجابية تنبع من الداخل الفلسطيني ذاته.
فهذا الاحتمال يرتبط بإعادة بناء الوحدة الوطنية على أسس الشراكة، وتطوير برنامج سياسي واقعي يحافظ على الحقوق الوطنية، ويستثمر الدعم الدولي المتاح بصورة أكثر فاعلية.
ما ينتظر الفلسطينيين في العام الجديد، على الأرجح، مرحلة صعبة ومفتوحة على تحديات كبيرة، لكنها تبقى أيضًا مرحلة الأسئلة المصيرية، التي قد تحدد مسار السنوات القادمة.
وبين واقع ضاغط، وآمال مشروعة، يبقى المستقبل الفلسطيني رهن القدرة على تحويل الاحتمالات المتاحة إلى فرص، بما يخدم القضية الوطنية وحقوق الشعب الفلسطيني.

اخر الأخبار