انقسام داخل “ماغا” بسبب إسرائيل: تحالف إنجيلي–جمهوري تاريخي يتصدّع وجيل جديد أكثر تشككًا

تابعنا على:   17:35 2026-01-01

أمد/ واشنطن: يتجه الجدل حول إسرائيل داخل التيار اليميني الأميركي إلى مرحلة أكثر حدّة، مع بروز مؤشرات على تصدّع التحالف التقليدي الذي حكم موقف الحزب الجمهوري لعقود: تحالف بين المسيحيين الإنجيليين ومؤسسة السياسة الخارجية الجمهورية التي تبنّت دعمًا شبه مطلق لإسرائيل. غير أن هذا التحالف، الذي شكّل إحدى ركائز قوة الحزب منذ الثمانينيات، بات يواجه ضغوطًا من تحولات ديموغرافية ولاهوتية وسياسية داخل قاعدة اليمين نفسها.

ذروة الدعم في عهد ترامب… وبداية التفكك

يرصد التقرير أن الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب قد تُسجَّل بوصفها ذروة الدعم الجمهوري لإسرائيل؛ إذ منح ترامب إسرائيل هامشًا واسعًا في غزة وفي مواجهاتها الإقليمية، وشارك في هجوم استهدف منشآت نووية إيرانية خلال الصيف، وتفاوض على اتفاق تهدئة في غزة وُصف بأنه يميل لصالح إسرائيل، فضلًا عن دفاعه العلني عن بنيامين نتنياهو رغم ملاحقته قضائيًا في قضايا فساد، بالتوازي مع تشديد الضغط على الجامعات الأميركية لمواجهة الحراك المؤيد لفلسطين.

لكن، وعلى الرغم من هذه السياسات، تتسع داخل الحزب الجمهوري مساحات التوتر حول إسرائيل، خصوصًا بين شرائح من الناخبين الجدد الأصغر سنًا، ما ينذر بأن الصراع لن يبقى في حدود الاختلاف السياسي، بل قد يتحوّل إلى معركة هوية داخل اليمين الأميركي.

استطلاع يكشف فجوة بين “القدامى” و”الجدد”

بحسب استطلاع أشار إليه التقرير صادر عن معهد مانهاتن (Manhattan Institute)، فإن غالبية الجمهوريين التقليديين لا تزال مؤيدة لإسرائيل بقوة، إلا أن “أقلية معتبرة” من الجمهوريين الجدد — وهم أصغر سنًا وأكثر تنوعًا — تتبنى موقفًا أكثر نقدًا لإسرائيل.

ويلفت التقرير إلى نقطة شديدة الحساسية: أن بعض هذا النقد يتداخل مع خطابات عنصرية ومعاداة للسامية لدى شرائح من اليمين، مستشهدًا بما قيل في مجموعة نقاش ضمّت محافظين من “جيل زد”، تضمنت إشادات بهتلر واتهامات مؤامراتية لإسرائيل، ووصفًا لليهود بأنهم “قوة شر”. ويشير النص إلى صعوبة الفصل بين الاعتراض السياسي على دعم إسرائيل بذريعة “المصلحة الأميركية” وبين التحريض المعادي لليهود الذي يجد غطاءً في بعض تيارات القومية المتشددة والنزعات المعادية للأجانب.

حرب مفتوحة في الإعلام اليميني

يصف التقرير المشهد بأنه أقرب إلى حرب أهلية داخل اليمين الإعلامي والناشطين المحافظين:
    •    أصوات مثل كانديس أوينز تصف إسرائيل بتوصيفات شيطانية وتروّج نظريات مؤامرة.
    •    تاكر كارلسون يهاجم “الصهيونية المسيحية” ويصفها بأنها “فيروس عقلي”، ويستضيف شخصيات من اليمين المتطرف، ما أحدث ارتدادات داخل مؤسسات محافظة عريقة.
    •    سجالات علنية شهدتها فعاليات كبرى لليمين مثل مؤتمر Turning Point USA، حيث تصادم خطاب قوميين شعبويين مع أصوات محافظة مؤيدة لإسرائيل مثل بن شابيرو.

أما نائب الرئيس جي دي فانس — الذي يقدمه النص بوصفه شخصية محورية في مستقبل التيار — فبدا متحفظًا؛ إذ تجنّب الخوض في الصراع علنًا، ورفض فكرة “اختبارات النقاء” داخل الحركة، ما فُهم على أنه محاولة للإمساك بالعصا من الوسط في وقت يتصاعد فيه الاستقطاب.

جذور التحالف: حرب 1967 واللاهوت الإنجيلي

يعود التقرير إلى الخلفية التاريخية للتحول الجمهوري نحو إسرائيل، مذكّرًا بأن الاعتراف الأميركي الأول بإسرائيل جاء من رئيس ديمقراطي (هاري ترومان) عام 1948، وأن قطاعات محافظة كانت تنظر لإسرائيل في بداياتها بوصفها دولة “اشتراكية” أقرب إلى معسكر اليسار.

لكن حرب 1967 كانت نقطة انعطاف: إذ اعتبرها صقور الحرب الباردة دليلًا على قدرة إسرائيل كحليف ضد النفوذ السوفياتي. وفي الوقت نفسه، اكتسبت إسرائيل مكانة لاهوتية لدى الإنجيليين بعد سيطرتها على القدس، ما غذّى انتشار تفسير ديني واسع يرى قيام إسرائيل ووقائع القدس جزءًا من نبوءات نهاية الزمان، وساهمت كتب وخطابات وشخصيات دينية وإعلامية في تحويل هذا الاعتقاد إلى قوة سياسية داخل الحزب الجمهوري، خصوصًا في عصر ريغان.

التحول اللاهوتي: تراجع “التدبيرية” وصعود قومية مسيحية جديدة

يرى النص أن العامل الديني لم يعد يعمل لصالح التحالف القديم بالضرورة. فداخل الأوساط المحافظة، هناك تراجع لدى بعض الشرائح عن تفسير “التدبيرية ما قبل الألفية” الذي منح إسرائيل دورًا مركزيًا في العقيدة السياسية–الدينية، لصالح تيارات أخرى (مثل ما يسميه النص “ما بعد الألفيين”) ترى دورًا أقل لإسرائيل في سردية الخلاص، بل وتتبنى تصورات تصادمية تجاه اليهودية.

ويضيف التقرير أن تيارات محافظة جديدة تمزج الدين بالقومية، وتدفع نحو تصور أميركا كدولة ذات “دين قومي”، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة مع إسرائيل بعيدًا عن الصيغة الإنجيلية التقليدية.

“جيل غزة”: صور الحرب تغيّر المزاج

يمنح التقرير أهمية خاصة لما يسميه “جيل غزة”: جيل سياسي تشكّل وعيه بعد “الحرب على الإرهاب”، وشهد كلفة التدخلات الأميركية الطويلة في العراق وأفغانستان، وتعرّض خلال العامين الماضيين لسيل صور ومشاهد الحرب في غزة عبر وسائل التواصل. وفق هذه الرؤية، فإن جزءًا من الشباب المحافظ بات يرى أن أميركا مثقلة بأزمات داخلية (غلاء المعيشة، الهجرة غير النظامية) تجعل المساعدات والدعم السياسي لإسرائيل موضع تساؤل.

وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن الانقسام حول إسرائيل لا يقتصر على الجمهوريين؛ فالحزب الديمقراطي بدوره يواجه توترًا بين المؤسسة التقليدية وجناح تقدمي أكثر نقدًا، مع خلافات حول نقل السلاح لإسرائيل، وقبول التمويل السياسي من جماعات ضغط، ومسألة الاعتراف بدولة فلسطينية.

ماذا بعد؟

يخلص التقرير إلى أن دعم ترامب لإسرائيل لا يبدو مهددًا على المدى القريب، وأن داخل الحزب الجمهوري تيارًا مؤيدًا لإسرائيل ما زال قويًا. لكن معركة ما بعد ترامب ستدور — جزئيًا — حول سؤال إسرائيل:
هل ينتصر تيار “أميركا أولًا” الانعزالي أم تيار التدخل الخارجي؟ ما حدود نفوذ القوميين المسيحيين؟ وهل ستُرسم خطوط فاصلة تمنع تسلل خطاب معاداة السامية إلى التيار الرئيسي أم سيبقى داخل “الخيمة” تحت شعارات وحدة الحركة؟

كلمات دلالية

اخر الأخبار