"غزة في مهب العشوائية.. مطلوب خطة وطنية علنية تقوم على تكامل الأدوار لا صراع الأجندات"

تابعنا على:   15:26 2025-12-17

د. سلامه ابو زعيتر

أمد/ من المثير للجدل حجم التدخلات العشوائية التي تشهدها الساحة في قطاع غزة، تلك التدخلات التي تفتقر إلى رؤية وطنية واضحة ومعلنة، لا سيما في الجوانب الاجتماعية والإنسانية، ففي مرحلة حرجة يُفترض أنها تهدف إلى "التعافي" من تداعيات الحرب، كشفت الوقائع هشاشة هذه الجهود أمام حجم المآسي المتفاقمة التي يعيشها النازحون في الخيام ومراكز الإيواء، أو من تبقّى في منازلهم المتهالكة التي تنهار عليهم بفعل الظروف الجوية القاسية.
إن الحالة في قطاع غزة بلغت حداً من الوضوح لا يحتاج إلى مزيد من التوصيف، بل يحتاج إلى "علاج" جذري، فلقد تحول صمود المكلومين الذين فقدوا كل ممتلكاتهم إلى فرصة لـ "تجار الدم" والمنتفعين واللصوص، في ظل غياب الرقابة، وإن ما يمر به المواطن اليوم يتجاوز حدود الأزمة، ليرتقي إلى مستوى "مخطط محكم" يستهدف تدمير إنسانيته ودفعه نحو اليأس، والبحث عن الهجرة للخارج نتيجة غياب الحلول الواضحة التي تحفظ له كرامته فوق تراب وطنه.
اعتقد إن المخرج الوحيد من هذه العشوائية يكمن في صياغة خطة وطنية شاملة للتعافي، تتسم بالوضوح التام وتُعلن للجمهور بكل تفاصيلها، ولا تكمن أهمية هذه الخطة فقط في تنظيم الدعم، بل في التعاون والتكامل في توزيع الأدوار والمسؤوليات بين كل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية لضمان عدم التضارب أو الهدر للمواد والامكانيات، وذلك وفق الرؤية التالية:
أولا/ تتحمل الحكومة ومؤسساتها دورا في القيادة والتخطيط، ورسم السياسات العامة، وذلك بوضع خطة وطنية والاعلان عنها، وتفعيل الرقابة الصارمة، وإعمال القانون لضمان وصول الحقوق لمستحقيها وفق القانون والنظام وبعدالة.
ثانيا/ يتحمل المجتمع المدني والمؤسسات الاهلية دورا في التكامل مع الخطة والوطنية والتوجه الرسمي من خلال التنفيذ الميداني السريع، والوصول إلى الفئات الأكثر تهميشاً، وتوظيف خبراتهم كشريك أساسي في التنمية والرقابة المجتمعية.
ثالثا/ ضرورة التكامل والتشاركية في كل مراحل التنفيذ للخطة الوطنية وإنهاء حالة العمل في "جزر معزولة"؛ فالدولة لا تستطيع العمل بمفردها، والمجتمع المدني لا يمكنه أن يحل محل الدولة، والخطة الوطنية هي العقد والاتفاق الذي يجمع بين جميع الاطراف لخدمة المواطن وحماية الوطن.
ولإنجاح الرؤية تحتاج الخطة الوطنية إلى أدوات تنفيذية نظيفة، وهذا يتطلب إعادة هيكلة مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والمهارة، بعيداً عن أمراض المحسوبية والشللية التي نخرت في جسد العمل الوطني، فإن إعمال القانون والضبط الاجتماعي هو الكفيل بقطع الطريق على العبث بمقدرات الناس، وهو الذي يعيد الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسة.
فبرغم قسوة الواقع، لا يزال الإنسان في قطاع غزة متمسكاً بالحياة ومستعداً للتعاون، وما ينقصهم هو القيادة القادرة على توجيه هذه الإرادة الشعبية الصلبة، والدور المطلوب من الحكومة هو تحمل مسؤولياتها وإلزام كافة الجهات بالعمل وفق الخطة الوطنية المعلنة، فالأدوات متوفرة وما يغيب هو فقط "الإرادة" التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
أخيرا: إن الالتزام بخطة وطنية شفافة يتشارك فيها الجميع (أفراداً ومؤسسات)، هو السبيل الوحيد للنجاة، وحينها فقط سننتصر لحاجة الناس ونبني وطناً يليق بتضحياتهم، فالأوطان لا تُبنى بالولاءات الضيقة أو التدخلات العشوائية، بل بالعدالة، والكفاءة، والتكامل بين الدولة والمجتمع....
حفظ الله شعبنا وثبت اقدامنا بما فيه الخير

اخر الأخبار