غزة بين الإعمار وإعادة الهندسة
عدلي اليازوري
أمد/ يتبلور في المشهدين السياسي والإعلامي تصور واسع النطاق لمستقبل قطاع غزة، يقوم على إعادة إعمار شاملة لكنها تتجاوز البناء المادي إلى إعادة صياغة الجغرافيا والديموغرافيا والسيطرة الأمنية. هذا السيناريو، الذي يتردد في مناقشات دولية وإقليمية، يقدم رؤية لقطاع مختلف جذرياً، تتحول فيه غزة الغربية والشمالية إلى منطقة ساحلية حديثة تُشبه نماذج حضرية مثل دبي الجديدة أو منهاتن، فيما يُعاد توجيه الكثافة السكانية نحو الجنوب الشرقي، عبر ما يعرف بالهجرة الطوعية التي تُنتجها ظروف ضاغطة أكثر مما تنتجها اختيارات حرة.
في هذه الرؤية، تتحول غزة الغربية إلى واجهة اقتصادية عالمية، تُقام فيها ناطحات السحاب الزجاجية والمراكز المالية والمنتجعات الشاطئية ومشاريع السياحة العلاجية، إضافة إلى جزر بحرية اصطناعية تُستخدم فيها ملايين الأطنان من الركام الناتج عن الحرب. ويجري تصوير هذه المنطقة بوصفها نقطة جذب للاستثمارات العابرة للحدود، وبوابة لربط غزة ببيئة اقتصادية إقليمية تشبه المراكز المالية في الخليج أو شرق آسيا.
هذا التوجه يعكس رؤية تنموية ذات طابع عولمي، لكنه في الوقت نفسه مشروط بتغييرات أمنية وديموغرافية عميقة.
إلى جانب المسار الساحلي، يبرز مسار آخر لا يقل أهمية: تحويل المناطق الشرقية الجنوبية إلى كتلة عمرانية عالية الكثافة تستوعب ما بين عشرين وخمسة وعشرين بالمئة من السكان المتبقين داخل القطاع. النسبة الأكبر تُفترض خروجها تدريجيا عبر قنوات الهجرة التي تُعرّف رسميا بأنها طوعية، لكنها في الواقع ناتجة عن مزيج من الضغوط الإنسانية والأمنية والاقتصادية. هذا النمط من إعادة توزيع السكان يتوافق مع نماذج سبق تطبيقها في مناطق أخرى، حيث تُستخدم أدوات غير مباشرة لتغيير الطبيعة السكانية دون اللجوء إلى التهجير القسري المعلن، ومنها جنوب أفريقيا " الأبرتهايد" وكوسفو والبوسنة والهيرسك.
تنفيذ هذه الرؤية يرتبط بشكل مباشر بترتيبات أمنية يجري الحديث عنها منذ بداية الحرب. فجزء من السيناريو يقوم على وجود قوات تحالف دولي، تتولى إدارة مناطق محددة، خصوصا المعابر، وهي خطوة يُسوَّق لها باعتبارها وسيلة لضمان الاستقرار وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار. لكن وجود هذه القوات لا يُلغي – وفق الطرح المتداول – استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية على القطاع، سواء عبر مراقبة الحدود، أو إدارة المجال الجوي، أو الإشراف على حركة السلع والأفراد، أو التدخل الأمني عند الحاجة.
بهذا يصبح القطاع محكوما بنظام مزدوج: واجهة دولية تدير الشأن المدني، وسيطرة إسرائيلية تُمسك بالمفاصل الأمنية.
أما الذريعة الرئيسة التي يُستند إليها لتبرير هذه الهندسة الجديدة فهي نزع سلاح حماس. فكل مراحل إعادة الإعمار، وفق الطرح المتداول، مشروطة بهذا الهدف، الذي يُقدم باعتباره مدخلاً إلزاميا لأي إعادة بناء أو إعادة تنظيم. وعلى ضوء هذا الشرط، تُمنح القوى الدولية والإقليمية مبررا لإعادة تصميم القطاع عمرانياً وأمنياً، ولخلق نموذج جديد لا يسمح بعودة الوضع الذي كان قائما قبل الحرب.
وهكذا يصبح نزع السلاح ليس فقط هدفا أمنياً، بل مفتاحاً سياسياً يسمح بإعادة تشكيل غزة وفق نموذج جديد يوفر “استقراراً طويل الأمد” من وجهة نظر الأطراف الفاعلة.
ورغم أن هذا السيناريو يبدو متكاملاً من حيث الهندسة العمرانية والجدوى الاقتصادية المفترضة، إلا أنه يواجه تحديات عميقة.
ففي الجانب القانوني، يظل أي تغيير ديموغرافي واسع النطاق – سواء كان مباشراً أو عبر ضغوط غير مباشرة – مثاراً للجدل، لأنه يلامس جوهر القانون الدولي الإنساني. كما أن وجود قوات دولية مع استمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية يطرح سؤالاً حول السيادة الفعلية ومن يملك القرار على الأرض.
وفي الجانب الاجتماعي، تشير التجارب الدولية إلى أن المشاريع التي تُبنى دون إشراك السكان غالباً ما تواجه مقاومة أو تفككاً، خصوصاً عندما تتطلب تغيير أنماط معيشية راسخة.
أما اقتصادياً، فإن إنشاء منطقة ساحلية بمواصفات نيو دبي أو نيو منهاتن أو نيوم يحتاج إلى استقرار طويل الأجل لا يمكن ضمانه في ظل الصراع المستمر، إضافة إلى ضرورة وجود سلطة محلية قوية قادرة على إدارة النمو الاقتصادي بطريقة عادلة ومتوازنة. وفي غياب هذا الشرط، قد تتحول المنطقة الساحلية الحديثة إلى جزيرة معزولة داخل قطاع يعاني من اختلالات هيكلية.
وعند جمع هذه المعطيات، تتضح صورة أوسع: الإعمار ليس مجرد بناء للأبراج والجزر، بل مشروع لإعادة تعريف قطاع غزة من حيث السكان والجغرافيا والوظيفة السياسية. الأمر لا يكمن في شكل المدينة الجديدة، بل في شكل المجتمع الذي سيُسمح له بالبقاء داخلها، وفي حدود الدور الذي سيلعبه السكان في تقرير مستقبلهم.
وأول ما تحتاج إليه غزة هو الحكم الرشيد و اجتثاث كامل لمجمل منظومة السيطرة القهرية الطفيلية القديمة وكل ما نتج عنها.
غزة تحتاج إلى إعادة إعمار شاملة، لكن نجاح الإعمار مرهون بأن يكون استعادة للحياة الفلسطينية لا إعادة هندسة لها. التنمية الحقيقية تبدأ بتثبيت حق السكان في العودة إلى منازلهم، لا بتقييد وجودهم داخل نطاقات عمرانية محددة مرتبطة باعتبارات سياسية وأمنية. وبينما تتجه الأنظار إلى الأبراج والواجهات الزجاجية، يبقى السؤال الجوهري:
هل يُبنى مستقبل غزة من أجل سكانها، أم يُعاد تشكيل سكانها من أجل شكل جديد للقطاع؟؟
