وزارة الصحة الفلسطينية: خطوات نحو رقمنة النظام الصحي وتعزيز الخدمات المحلية
د. نهاد رفيق السكني
أمد/ في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها القطاع الصحي الفلسطيني، يبدو واضحًا أن وزارة الصحة الفلسطينية تتجه نحو تعزيز دور التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في إدارة الخدمات الصحية، بما يساهم في تحسين الوصول إليها ورفع كفاءتها، وتقليل الاعتماد على التحويلات العلاجية إلى الخارج.
خلال الفترة الأخيرة، حققت الوزارة تقدمًا ملموسًا في توطين الخدمات الصحية والتخصصات الطبية، خصوصًا في مجالات علاج السرطان والقسطرة القلبية، بالإضافة إلى تطوير أقسام حديثي الولادة ووحدات الحضانة، وتشغيل أجهزة متقدمة مثل الرنين المغناطيسي وفحص هشاشة العظام (DEXA). كما تم إنشاء مراكز جديدة للعلاج الوظيفي والتأهيل في عدد من المحافظات، ما يعكس حرص الوزارة على تعزيز القدرات المحلية وتوسيع نطاق الخدمات التخصصية.
على صعيد التحول الرقمي والإداري، قامت الوزارة بتطبيق نظام ملف المريض المحوسب (DHIS2) في سبع مديريات صحة، ونقل نظام Avicenna إلى مركز البيانات الحكومي، لضمان بيئة آمنة ومتكاملة للبيانات الصحية. كما تم العمل على ربط خدمات التأمين الصحي بمنصة "حكومتي"، وتطوير نظام التحويلات الطبية الإلكتروني (E-Referrals)، مما يسهل على المواطنين متابعة معاملاتهم الطبية إلكترونيًا دون الحاجة لمراجعة المؤسسات الصحية بشكل مباشر.
ولا يقتصر عمل الوزارة على التحول الرقمي فحسب، بل تشمل الجهود الميدانية تحسين خدمات الطوارئ والإسعاف، تحديث أسطول سيارات الإسعاف، تعزيز برامج التحصين، تطوير سلاسل الإمداد واللوجستيات الدوائية، إنشاء وحدات أكسجين وبنوك دم، إطلاق برامج الصحة النفسية والدعم الاجتماعي للمتأثرين من العدوان، إضافة إلى نشر العيادات المتنقلة للوصول إلى المناطق النائية والمجتمعات المهمشة.
من الجدير بالذكر أن هذه الإنجازات لا تأتي بمعزل عن العمل الاستراتيجي، حيث يتم التنسيق بين جميع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني لدعم المشاريع الصحية النوعية، بما في ذلك الاستثمار في خدمات عالية التكلفة مثل العلاج الإشعاعي وزراعة النخاع العظمي. كما تم اعتماد خطة استراتيجية للأعوام 2025–2027، وإعداد مسودة خطة إعادة إعمار وتعافي القطاع الصحي في المحافظات الجنوبية، مع تعزيز نظم الحوكمة والشفافية في إدارة العقود والمشتريات.
ويبدو أن هذه الجهود تتوافق بشكل كبير مع التوجهات البحثية الحديثة في المجال، مثل دراستي بعنوان:
“إعادة الإعمار الصحي الذكي في غزة: الذكاء الاصطناعي كرافعة إستراتيجية للنهوض بالقطاع الصحي بعد الحرب”
فالمقاربة الرقمية والذكية في إدارة البيانات والخدمات الصحية تُمكّن من حفظ السجلات الطبية بدقة، متابعة الحالات المرضية، وتحسين جودة الخدمات في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها القطاع الصحي، خصوصًا بعد العدوان الإسرائيلي الذي ألحق دمارًا واسعًا بالبنية التحتية واستهدف الطواقم الطبية.
باختصار، يمكن القول إن الوزارة تواصل تطوير النظام الصحي الفلسطيني بطريقة متدرجة ومستندة إلى التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات وتحسين جودتها، وهو ما يضع الأساس لتوجهات مستقبلية أكثر تكاملًا واستدامة، ويُظهر أن الاستثمار في التحول الرقمي ليس رفاهية، بل ضرورة لتعزيز صمود النظام الصحي الوطني.
