الفاشر… حين تنطفئ أخلاق الحرب وتصرخ الإنسانية
محمد ناجي الهميس
أمد/ في الفاشر، المدينة السودانية التي ظلت يومًا رمزًا للتمازج والأصالة، سال الدم حدّ الاختناق.
لم تكن المشاهد مجرد اشتباكات كما يصفها الإعلام ببرود، بل مجازر مروّعة اجتاحت الشوارع والبيوت والمساجد، فصار المدني مطاردًا في مكان ولادته، مقتولًا دون ذنب، أو مهجّرًا لا يحمل سوى ذاكرته.
لماذا تُرتكب المجازر؟
السؤال الثقيل يتكرر:
هل من الضروري أن تتحوّل الخلافات السياسية والعسكرية إلى عمليات قتل جماعي؟
هل يحتاج الأطراف المتصارعون إلى تطهير الدماء لإثبات نفوذ أو تثبيت انتصار؟
الحقيقة المؤلمة أن هذه المجازر ليست ضرورة حرب، بل انحطاط أخلاقي يفقد الصراع أي معنى أو سبب.
إنها رسالة عنف يستخدمها القتلة لإخضاع الناس بالرعب، ولإعادة رسم الخرائط بالدم والرماد.
لماذا يُقتل المدنيون؟
لماذا تتجاوز النيران خطوط القتال فتنهش الأطفال والنساء والشيوخ؟
لأن الصراع حين يفقد هدفه يتحوّل إلى فوضى، ويصبح المدني وسيلة انتقام أو أداة ضغط أو مجرد رقم على طاولة الحرب.
لقد اختفت قواعد الاشتباك التي كانت تميّز بين المحارب وغير المحارب، وغاب احترام الكرامة الإنسانية، بل أصبح قتل الأبرياء وسيلة إعلان القوة بدل أن يكون جريمة تستحق أقصى الإدانة.
ثقافة موت… لا حرب
ما يجري في الفاشر ليس صدامًا بين جيوش، بل ترويع جماعي مبني على ثقافة تُشرعن سفك الدماء لأتفه الأسباب.
ثقافة تُحرّض على القتل لا على الحوار، وتُظهر أن السلاح لم يعد وسيلة للضغط السياسي، بل صار لغةً وحيدةً للتفاهم، تُقال فيها الكلمات بالرصاص والنار.
وحين تُستباح حياة البشر بهذه السهولة، يتحوّل الجاني إلى وحش لا يرى في الآخرين سوى أهداف متحركة، ويغيب عن المشهد كل ما يربط الإنسان بإنسانيته.
أين أخلاق القتال؟
الحرب — في تاريخها الإنساني — لم تكن يومًا بلا قواعد.
حتى أقسى الجيوش وأشرسها احتفظت بشيء من “شرف القتال”.
أما اليوم، فقد انمحت الحدود بين المحارب والضعيف، وبين الهدف العسكري والروح البريئة.
لم يعد هناك احترام لمستشفى أو مدرسة أو مسجد.
لم تعد الأرواح خطًا أحمر، ولا الجثث دليلًا على فاجعة…
بل مجرد مشاهد تُتداول ثم تُنسى.
ماذا يجني المجرمون؟
ما الذي يجنيه القاتل من دم الأبرياء؟
لا سلطة تُبنى فوق الجثث، ولا وطن يرتفع على أشلاء شعبه.
إنما يجني:
لعنة التاريخ
سوادًا في الوجدان
عداءً لا ينطفئ
وخرابًا يشمل الجميع
فالسلاح الذي يُشهر اليوم في وجه جارك، سيُشهر غدًا في وجهك…
والدم الذي يُراق أمامك سيتسرب إلى قلبك حزنًا وكراهية تمتد أجيالًا.
الفاشر… جرح مفتوح
ما يحدث هناك ليس حدثًا عابرًا؛
إنها ذاكرة ألم ستبقى شاهدًا على أن العالم ما زال عاجزًا عن حماية الإنسان.
وأن العدالة لا تزال حبيسة لغة المصالح، تُفتح بابها حين تشاء وتغلقه حين تشاء.
أهل الفاشر لا يحتاجون بيانات إدانة، بل يحتاجون حياة.
يحتاجون أمانًا يوقظ أطفالهم بلا خوف، ويُعيد لمدينتهم الضحكة التي سرقتها الحرب.
ختاما :
إن مأساة الفاشر صرخة يجب ألا تُنسى:
صرخة تقول إن فقدان أخلاق الحرب أخطر من الحرب نفسها،
وأن دماء الأبرياء ليست تفصيلًا في صراع عابر،
بل فاجعة تُحرّك ضمير العالم — إن كان قد بقي فيه ضمير.
فلتبقى الفاشر شاهدًا على أن الإنسانية إن لم تُحمَ بالقانون والوعي والأخلاق،
فستصبح مجرد كلمة تُكتب في الكتب… بينما يموت أصحابها في صمت.
