التحولات الإقليمية بعد غزة: كيف سيقرأ الخليج المبادرة الأمريكية؟

تابعنا على:   12:04 2025-10-26

محمد ناجي الهميس

أمد/ بعد انتهاء العمليات العسكرية في غزة ودخول مرحلة التنفيذ العملي للمبادرة الأمريكية الجديدة، بدأت العواصم الخليجية في إعادة تقييم مواقفها وتحليل موازين القوى التي تشكّلت بعد الحرب. فالمشهد الإقليمي لم يعد كما كان، والمبادرة الأمريكية – رغم ما تحمله من عناوين “السلام والاستقرار” – تخفي وراءها حسابات دقيقة تتصل بالنفوذ، والأمن، والاقتصاد، والعلاقات البينية بين الدول العربية وإسرائيل.

الخليج بين الحذر والانفتاح
تتعامل دول الخليج مع المبادرة الأمريكية بقدر من البراغماتية والحذر في آنٍ واحد.
فمن جهة، تدرك هذه الدول أن واشنطن لا تطرح خططها من منطلق إنساني بحت، بل وفق رؤية استراتيجية تهدف إلى تثبيت حضورها في المنطقة ومنع أي فراغ يمكن أن تملأه قوى أخرى كالصين أو روسيا أو حتى إيران.
ومن جهة أخرى، لا يمكن لدول الخليج أن تتجاهل أهمية المبادرة، خصوصًا إذا ما تضمّنت بنودًا تتصل بإعادة الإعمار، وضمان الأمن البحري في البحر الأحمر، وتثبيت التهدئة على المدى الطويل.

لذلك، من المرجّح أن تنتهج دول الخليج سياسة “المتابعة الهادئة” للمبادرة، أي انتظار مآلاتها العملية قبل تبني موقف صريح. فهذه العواصم تعلم أن التجارب السابقة مع الخطط الأمريكية كثيرًا ما كانت تنتهي إلى تناقض بين الوعود والتنفيذ، وبين الخطاب السياسي والواقع الميداني.

الاعتبارات الاقتصادية… باب النفوذ الجديد
من الواضح أن واشنطن تسعى إلى ربط ملفات الأمن بالإعمار، بحيث يكون الدعم المالي الخليجي أحد مفاتيح نجاح الخطة.
وهذا ما يضع الدول الخليجية أمام معادلة صعبة: المشاركة في الإعمار تعني الحضور في المشهد السياسي، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطرة التورط في حسابات حساسة تتعلق بمستقبل غزة والعلاقات الفلسطينية–الإسرائيلية.
ومع ذلك، فإن بعض دول الخليج ترى في هذا الانخراط فرصة لتثبيت نفوذها الإقليمي وإظهار دورها كقوة توازن مؤثرة، خصوصًا في ظل التراجع النسبي للأدوار التقليدية لبعض القوى العربية المركزية.

التحالفات قيد التشكل من جديد
الحرب الأخيرة على غزة لم تُنتج فقط دمارًا في الجغرافيا، بل أيضًا زلزالًا في التحالفات.
فالعلاقات بين طهران وبعض العواصم الخليجية تمرّ بمرحلة دقيقة من الترقب، في حين تحاول واشنطن إعادة بناء تحالفاتها الأمنية والعسكرية عبر “المبادرة الجديدة”، بما يضمن تقليل تأثير إيران وإعادة ترتيب أوراق المنطقة بما يخدم استقرارًا مشروطًا بمصالحها.

من هنا، فإن الموقف الخليجي سيتحدد وفق ثلاثة معايير أساسية:

1. مدى واقعية الخطة الأمريكية في تثبيت التهدئة دون المساس بالحقوق الفلسطينية.


2. شكل الضمانات الأمنية التي تقدمها واشنطن لحلفائها الإقليميين.


3. حدود الدور الإسرائيلي داخل المبادرة، وهل سيبقى ضمن الإطار الأمني أم يمتد إلى البعد الاقتصادي والسياسي.



بين الحذر والفرصة
يبدو أن الخليج لن يندفع نحو تأييد كامل للمبادرة الأمريكية، ولن يرفضها في الوقت ذاته.
فهو يدرك أن اللعبة اليوم أكثر تعقيدًا من مجرد اصطفاف سياسي، وأن موقعه في الخريطة المقبلة سيُرسم بناءً على توازن المصالح لا العواطف.
لذلك، سيكون النهج الغالب هو “القبول المشروط”؛ أي دعم المبادرة بقدر ما تخدم استقرار المنطقة، لا بقدر ما تحقق واشنطن مكاسبها الخاصة.

خاتمة
إن التحولات الإقليمية بعد حرب غزة تفتح فصلًا جديدًا من السياسة في الشرق الأوسط، عنوانه الأبرز: “الفرص تأتي من رحم الأزمات”.
ودول الخليج – بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي – قادرة على أن تجعل من المبادرة الأمريكية منصة لتأكيد حضورها، لا مجرد ورقة في يد الآخرين.
لكن ذلك يتطلب رؤية موحدة، وتحركًا دبلوماسيًا متزنًا يوازن بين الواقعية والمبدأ، وبين المصالح والعدالة.

اخر الأخبار