شروط التعافى الفلسطيني بعد الابادة، هناك أمل؟!
د. رياض عبدالكريم عواد
أمد/ تتركز أنظار الفلسطينيين، خاصة نازحي الخيام من أبناء المواصي والمرميين في الطرقات وعلى اكوام الزبالة من أبناء المنكوبة غزة، على محاولة وقف الموت/الابادة وفقا لمبادرة الرئيس الامريكي ترامب، كلنا أمل ان تتوقف هذه الابادة اليوم وليس غدا، ولنا امال كثيرة اهمها أن ينتهي النزوح ونرجع إلى مناطقنا، ننصب خيامنا على بقايا بيوتنا أو فوق ركامها.
يتجدد الامل الفلسطيني في التعافي من نتائج هذه الابادة التي لم تحدث في التاريخ، مرتكزا على اربعة ركائز اساسية:
الركيزة الأولى، المتتبع للصراع الإسرائيلي الفلسطيني العسكري يخرج بنتيجة ان الحلول العسكرية على جانبي الصراع قد فشلت، العدوان الإسرائيلي المتواصل تاريخيا ضد الشعب الفلسطيني لم يستطع أن ينهي الشعب الفلسطيني أو يهجره بعيدا عن ارضه، أو يدفعه الى ترك حقوقه السياسة، أو يغرقه في البحر، كما تأمل قادة إسرائيل يوما، وعلى الجانب الآخر لم يستطع خيار العمل المسلح الفلسطيني أن يعيد للفلسطينيين حقوقهم وأن معظم إنجازاتهم السياسية على الأرض نبعت اساسا من نضال الشعب الفلسطيني وصبره ومقدرته على التضحية والبقاء على ارضه وايمانه بعدالة قضيته والدعم العالمي لحقوقه.
فشل الطرفين في إيجاد حل للمسألة الفلسطينية عن طريق العمل العسكري/المقاومة المسلحة سيدفع الشعبين إلى البحث عن طريق اخر لإنهاء هذه الدوامة الطويلة من الاحتلال والحروب والموت، السلام والعيش المشترك سيكون جوهر هذا الطريق.
الركيزة الثانية، أن نتائج مغامرة الطوفان والحرب على غزة وتدميرها وتهديد وجود الشعب الفلسطيني وانجازاته ومشروعه الوطني اثبت ليس فقط فشل الاتجاهات الدينية والقومية في إيجاد حلول واقعية للمسالة الفلسطينية، لكنه اثبت ايضا أن هذا المسار التدميري يمكن أن يتواصل ويتعمق اذا بقيت هذه التيارات تعمل منفلتة في الساحة الفلسطينية، وأن الاتجاه الوطني هو المؤهل لمواصلة النضال المدني السلمي وتحقيق الحقوق الفلسطينية. لذلك ستشهد المرحلة القادمة ليس فقط انحسار التيار الديني والقومي ومنعه من مواصلة تجييشه الايدلوجي، ولكن ايضا سيادة التيار الوطني وتعزيز قوته الشعبية على الأرض.
الركيزة الثالثة، رغم تنامي المعارضة اليمينية والتطرف في إسرائيل وسيطرة احزابه وممثليه على المجتمع والدولة والجيش والأمن، الا أن حركة الشعب الإسرائيلي واليهودي لم تتوقف ضد الحرب والمطالبة بحلول سياسية بما فيها موافقتها على حل الدولتين. صحيح هذه القوى مازالت ضعيفة ومتفرقة ولا يوجد إطار يجمعها، خاصة بعد انتكاسة أحزاب اليسار الاسرائيلي ممثلة بحزب العمل وميرتس في اطارهما الجديد، ورفضهما مبدأ حل الدولتين. لكن تبقى هذه القوى الإسرائيلية واليهودية هي بارقة الامل التي يتطلع اليها الفلسطيني للعمل المشترك من أجل إنقاذ الشعبين من الاحتلال والتطرف على جانبي الخط الأخضر.
الركيزة الرابعة، تنامي التأييد الدولي للقضية الفلسطينية وحركة الشعوب الأوروبية وشعوب العالم النشطة ضد موت اهل غزة، هذا التأييد ليس جديدا ولا طارئً على القضية والشعب الفلسطيني، لكنه يتنامى ويتسع كلما زاد الدم الفلسطيني نزفا وصبرا وألما. لم يقتصر هذا التأييد على الشعوب فقط، لكنه امتد إلى الدول وكانت اهم تجلياته مؤتمر باريس لحل الدولتين بقيادة فرنسا والسعودية، وتنامي الاعتراف الأممي بدولة فلسطين حتى وصل عدد الدول المعترفة بدولة فلسطين إلى 160 دولة، بما فيها بريطانيا صاحبة وعد بلفور.
حتي يستطيع الفلسطينيون مواصلة نضالهم المدني السلمي، والعمل المشترك مع القوى الإسرائيلية الرافضة للاحتلال، عليهم تحقيق المهمات التالية كأولويات نضالية ضرورية:
وقف الحرب على غزة، لا داعي للخوض كثيرا في هذه النقطة لكثرة الخوض فيها ووضوح أهمية ذلك للجميع. أن وقف الحرب على غزة يجب أن يتبعه فورا عودة النازحين إلى مناطقهم، وتحسين شروط حياتهم الإنسانية، وتوفير الأمن ومنع تغول العصابات والعائلات، تحت حجج الانتقام والثأر وتصفية حسابات الماضي. هذا إضافة الى اهمية محاربة التغول الاقتصادي الذي يمارسه التجار ضد الشعب. أن الولوج في إعادة إعمار غزة وتوفير سبل الحياة فيها هي الوسيلة الوحيدة لمنع تهجير الشعب (طوعيا).
ان البقاء على الأرض هو أسمى وسائل النضال، أن هذا البقاء على الأرض الفلسطينية في غزة والضفة والقدس الشرقية بحاجة إلى حاضنة ترعاه.
أن السلطة الفلسطينية هي الحاضنة الوحيدة القادرة على توفير شروط بقاء الفلسطيني على ارضه، وحتى تقوم السلطة بهذه المهمة عليها التأكيد على أهمية وحدانيه هذه السلطة في الحكم والامن، والتزام كل من ينتمي اليها من أحزاب ومؤسسات وافراد ببرنامج السلطة وشروط قيامها والتزاماتها السياسية والقانونية، على السلطة أن تنهي عصر الفلتان السياسي تحت حجج النقد والديمقراطية، ناهيك على أهمية أن تلتزم السلطة بمعايير الحكم الرشيد ومحاربة الفساد والشفافية، وتداول الحكم عبر صناديق الانتخابات.
ان إنهاء الفلتان السياسي يتطلب ايضا إنهاء الفلتان الأمني في غزة والضفة، ومنع انتشار السلاح والمليشيات، وتدخل دول الإقليم في الشأن الفلسطيني تحت حجج المقاومة ودعم المليشيات العسكرية، يجب تجريم هذا التدخل ومنعه وتحريم وجود هذه المليشيات، وضمان وجود السلاح فقط بين ايدي قوات الأمن الفلسطينية، على السلطة أن تنهي عصر الفلتان الأمني كشرط ومقدمة لانهاء الفلتان السياسي والاعلامي.
ان بقاء الشعب الفلسطيني على ارضه، ووجود السلطة كحاضنة وطنية تدعم وتحافظ على هذا الوجود تدعو الجميع إلى إعادة التفكير في وسائل النضال التي تناسب الشعب الفلسطيني الذي قرر بناء دولته عن طريق السلام والحل السلمي، ان النضال المدني هو الوسيلة النضالية الملائمة لنضال الشعب الفلسطيني للتخلص من الاحتلال وقيام دولته المستقلة. ان تحقيق هذا الهدف يتطلب امرين رئيسيين:
الأول، تحويل التنظيمات الفلسطينية إلى أحزاب مدنية تلتزم سياسيا وقانونيا بما تلتزم به السلطة الفلسطينية.
الثاني، تعزيز النضال المشترك مع قوى السلام الإسرائيلية واليهودية التي تناضل ضد الاحتلال والتطرف، وصولا إلى إقامة حزب سلام فلسطيني يؤمن بالنضال والعيش المشترك بين الشعبين على طريق إنهاء الاحتلال.
ان النضال المدني يتطلب النضال ضد التطرف الديني والقومي على الجانب الفلسطيني، وفي هذا الإطار يجب إعادة النظر في دور الدين والمساجد والمؤسسات الدينية، إضافة إلى المؤسسات التعليمية والمنهاج التعليمي في المجتمع، ومنع استخدامها من قبل المتطرفين للتحريض ضد السلام والسلطة والمؤسسات المدنية، والتجييش الايدلوجي ونشر الأفكار المتطرفة في المجتمع، ناهيك عن أهمية سن القوانين التي تمنع استخدام الدين في السياسة.
نعم هناك أمل أن نتعافى ويتواصل النضال الفلسطيني بشرط الحفاظ على بقائنا على ارضنا، والحفاظ على السلطة الفلسطينية، ومواصلة النضال المدني، وتعزيز النضال المشترك مع القوى الإسرائيلية واليهودية، وصولا لاقامة حزب سلام فلسطيني.
هذه شروط التعافي من هذه الحرب/الابادة، ووسائل الحفاظ على بقائنا على ارضنا ومواصلة نضالنا المدني السلمي.
