بنيامين نتنياهو... رجل المرحلة الإسرائيلية وخطر ما بعد الحرب

تابعنا على:   11:31 2025-10-05

أمد/ لم يعد بنيامين نتنياهو مجرد زعيم سياسي، بل أصبح رمزًا لمرحلة جديدة في تاريخ إسرائيل والمنطقة ، مرحلة ما بعد الحرب الكبرى التي غيّرت خريطة الشرق الأوسط خلال عامي 2023–2024 .
فهو الرجل الذي خرج من أتون الحرب مثقلاً بدماء الأبرياء ، لكنه أكثر تشبثًا بالسلطة ، يحاول إعادة صياغة المشهد الإقليمي وفق أجندته الشخصية ، مستندًا إلى الدعم الأمريكي الجديد الذي تجسّد في “خطة ترامب لتثبيت الاستقرار” — الخطة التي منحت إسرائيل نفوذًا أوسع تحت ستار إعادة الإعمار و«التطبيع الاقتصادي» .

أولًا: من إدارة الحرب إلى صناعة الفوضى

بعد الحرب الأخيرة على غزة ، لم يكن نتنياهو في موقع المنتصر بقدر ما كان في موقع المستفيد من الخراب .
استثمر مشاهد الدمار ليعيد بناء صورته داخليًا باعتباره “حامي إسرائيل” ، مستخدمًا خطابًا يربط بين الأمن القومي الإسرائيلي وبقائه الشخصي في الحكم .
خطة ترامب ، التي وُقعت لاحقًا ، جاءت كمنقذ سياسي له ، إذ منحت إسرائيل شرعية التحرك الأمني داخل مناطق حدودية بذريعة «ضمان الاستقرار» ، وهي في حقيقتها تفويض مفتوح لمزيد من السيطرة الميدانية .
هكذا ، نجح نتنياهو في تحويل الكارثة إلى فرصة ، واستثمر الحرب لتثبيت نظام فردي يتغذى على الخوف من المستقبل .

ثانيًا: تفكيك الداخل الإسرائيلي عبر خطاب القوة

الواقع الإسرائيلي اليوم أكثر انقسامًا من أي وقت مضى .
فاليمين المتطرف أصبح القوة الحاكمة ، بينما المعارضة تلاشت تحت سطوة الخطاب الأمني والديني .
نتنياهو أعاد تشكيل مؤسسات الدولة لتخدم منظومته الخاصة؛ فالجيش بات أداة سياسية ، والقضاء يتعرض للضغط والتقييد ، والإعلام خاضع لحملات ترهيب وتوجيه ممنهج .
إنها إسرائيل جديدة ، لا تحكمها التوازنات الديمقراطية ، بل يد واحدة تمسك بخيوط اللعبة: يد نتنياهو .

ثالثًا: مصر ومعادلة الردع الجديدة

الحرب الطويلة غيّرت الحسابات الإقليمية ، ولم تعد القاهرة تنظر إلى سياسات نتنياهو كتهديد محتمل ، بل كواقع فعلي يجب ضبطه .
مصر اليوم تتعامل مع إسرائيل بمنطق “الردع المتبادل” لا “الوساطة التقليدية” ، فكل تجاوز ميداني أو تحرك أمني على حدود غزة يُقابل برد حازم ومباشر .
القاهرة تدرك أن نتنياهو يحاول جرّ المنطقة إلى توازن هشّ يخدم أهدافه ، لكنها أيضًا تعلم أن أيّ تساهل سيمنحه مساحة جديدة للهيمنة.
لذلك أصبح الملف الإسرائيلي بالنسبة لمصر جزءًا من الأمن القومي المباشر ، لا مجرد بند في السياسة الخارجية.

رابعًا: تحالفات ما بعد الحرب

مع توقيع خطة ترامب ، وبدء ترتيبات إعادة الإعمار ، ظهرت خريطة جديدة من التحالفات .
نتنياهو يحاول استغلالها عبر توظيف الاقتصاد والأمن لبناء محور نفوذ يمتد من البحر إلى النهر ، مستندًا إلى دعم أمريكي وغطاء غربي يبرر له أي تحرك ميداني .
لكن في المقابل ، هناك رفض عربي صامت ، يتنامى يومًا بعد يوم ، يرى أن الخطة الأمريكية – الإسرائيلية ليست سوى إعادة صياغة لاحتلال بأدوات جديدة .
إن المنطقة بأسرها ، من القاهرة إلى عمّان، تعي أن “إسرائيل ما بعد الحرب” ليست أقل خطرًا من “إسرائيل أثناء الحرب” .

خامسًا: نتنياهو بين واشنطن وتل أبيب

العلاقة بين نتنياهو وترامب تجاوزت حدود التحالف السياسي إلى تنسيق أعمق يشبه التفاهم الاستراتيجي .
ترامب يرى في نتنياهو نموذجًا لرجل ينفّذ بلا تردد ، بينما يرى نتنياهو في ترامب غطاءً شرعيًا لكل تحرك يتجاوز القانون الدولي .
هذه المعادلة الخطيرة جعلت إسرائيل تعمل اليوم خارج منظومة الردع التقليدي ، فكل خطوة تُغلف بمبررات “الأمن العالمي” ، بينما الهدف الحقيقي هو تثبيت الهيمنة الإسرائيلية على المشهد الشرق أوسطي .
سادسًا: المستقبل المفتوح على الفوضى
نتنياهو اليوم لا يملك مشروع سلام ، بل مشروع بقاء .
يحرك الأزمات كما يشاء ، ويغذي الانقسامات الداخلية والإقليمية ليستمر في الحكم .
لكن الثمن الذي تدفعه المنطقة، من انهيار سياسي واقتصادي وأمني، يزداد يومًا بعد يوم .
إسرائيل تحت حكمه أصبحت دولة تُدار بالخوف لا بالقانون ، والمنطقة من حولها أصبحت رهينة قرارات رجل واحد لا يؤمن إلا بالمصلحة الشخصية .

#خاتمة

ما بعد الحرب ليس سلامًا ، بل هدنة مؤقتة يرسمها نتنياهو وفق مزاجه السياسي .
خطة ترامب لم تكن سوى قناع جديد لشرعنة القوة ، ومنح نتنياهو وقتًا إضافيًا لترتيب أوراقه .
غير أن التاريخ ، كما علمنا هيكل ، لا يرحم من يظن أنه قادر على هندسة المنطقة بإرادته المنفردة .
فالمنطقة التي احترقت لن تقبل أن تُدار إلى الأبد من رجل واحد ، مهما بلغت دهاؤه أو حيله السياسية.

#المصادر_والمراجع

1. معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) – “Israel After the Gaza War: Strategic Repositioning”, تقرير يوليو 2025.
2. صحيفة هآرتس – “Netanyahu and the Trump Plan: A Political Lifeline”, أغسطس 2025.
3. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية – ملف “مصر وإعادة تعريف معادلة الردع الإقليمي بعد حرب غزة”.
4. BBC Arabic – “خطة ترامب الجديدة: إعادة رسم حدود النفوذ في الشرق الأوسط”، مايو 2025.
5. Foreign Affairs – “The Netanyahu Doctrine After the War”, أبريل 2025.
6. The New York Times – “Post-War Israel and the Rise of Controlled Instability”, يونيو 2025.
7. Jerusalem Post – “Israel’s Internal Divide Under Netanyahu’s Permanent Rule”, سبتمبر 2025.

اخر الأخبار