قمة الدوحة بين التضامن الخطابي وفشل التحويل إلى ردع فعّال: فرصة ضائعة لردع السياسة الإسرائيلية
جهاد أبولحية
أمد/ شهدت الساحة الإقليمية تصعيدًا لافتًا عقب الضربة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت قيادات من حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، وهو حدث شكّل صدمة سياسية وأمنية لما يمثّله استهداف دولة وسيطة في جهود التفاوض. انعقدت على خلفية هذا الحدث قمة طارئة ضمّت قادة ودولاً من العالمين العربي والإسلامي، وصدرت عنها بيانات إدانة وتضامن قوية بحقّ قطر ورفض واسع للاستهداف، لكنّها أخفقت في إقرار إجراءات تنفيذية محدّدة وذات كلفة فعلية على إسرائيل. إن هذه القمة — ورغم أهميتها الرمزية — تبرز دراسة حالة لفرصة ضائعة: فرصة يمكن أن تُحوّل «الصدمة» الناتجة عن استهداف وسيط دبلوماسي إلى رادع يرفع كلفة السلوك الإسرائيلي ويعيد توازن القوى الدبلوماسي في المنطقة. تقف هذه الورقة عند تحليل هذه الفجوة بين النبرة والنتيجة، وتبيّن لماذا لم تكن الإدانة وحدها كافية لردع نمط العنف والاستيطان الإسرائيلي، وما هي الخيارات العملية التي كانت متاحة وكان يجب استغلالها فورًا.
سياق الحدث وأبعاده الاستراتيجية
الضربة الإسرائيلية في الدوحة لم تكن حادثًا محليًا منعزلًا بقدر ما كانت مؤشرًا على تغيير في قواعد الاشتباك الإقليمي: استهداف مقرّ وسيط تفاوضي عالميًا يختزل عبئًا دبلوماسيًا وعسكريًا وسياسيًا على المنطقة. هذا الفعل اعتُبر من قبل الدوحة وعدد من الدول المجتمعة «خرقًا لسيادة دولة» واعتداءً على آليات الوساطة، كما سخّرت وسائل الإعلام الدولية التحليل السياسي لهذا السلوك كدليل على اتساع دائرة العنف الإسرائيلية لتشمل عواصم إقليمية ليست بالضرورة مسرحًا مباشرًا للصراع مع إسرائيل. مثل هذه التصرفات لا تُقاس فقط بتكلفة الخسائر المادية أو البشرية، بل بتأثيرها على منظومة التعاملات الدولية: على قدرة الوسطاء على الاستمرار، على علاقات تطبيع كانت هشة أساسًا، وعلى صورة إسرائيل كممثل فاعل في النظام الإقليمي.
القمة: تضامن رسمي أم دفن لفرصة الردع؟
المخرجات الرسمية لقمة الدوحة اتّسمت بلغة إدانة حادّة وتضامن علني مع قطر، مع دعوات متفرّقة لإعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل ولفت الأنظار إلى خطر التطبيع المستمر في ظلّ انتهاكات متزايدة. مع ذلك، سرعان ما بدا أن هذه اللغة لم تُترجَم إلى خطوات تنفيذية ملموسة؛ لم يعلن المجتمعون عن حزمة عقوبات اقتصادية منسقة، ولا عن خطوات دبلوماسية ملزمة (مثل سحب سفراء جماعي أو تعليق اتفاقيات تطبيع بصورة فورية) ، كما لم تتبلور بعد مسارات قانونية موحّدة لتجريم الاستهداف وملاحقته دوليًا.
النتيجة العملية كانت تكريساً لتقليد بيانات الإدانة التي لا تضيف إلى معادلات القوة الحقيقية شيئًا يُذكر. هذا الخلل بين الخطاب والآلية هو ما يجعل القمة مثالاً صارخًا على تضييع فرصة ردع حقيقية.
لماذا كانت الضربة على قطر فرصة استراتيجية لردع إسرائيل؟
أولًا، استهداف وسيط تفاوضي يضع إسرائيل أمام معضلة استراتيجية: إما أن تحافظ على مسارين متوازيين — ممارسة الضغوط العسكرية وسياسة العقاب ضد خصومها، مع الحفاظ على علاقات سياسية واقتصادية مع الدول العربية — أو أنها تدفع إلى حساب دبلوماسي أعلى ثمناً إذا بقيت سياسة الاستهداف بلا تبعات. في اللحظة التي ضربت فيها إسرائيل الدوحة، توفّر للمجتمعين في القمة «قيمة تفاوضية» نادرة: تماهي المصاب بين دولة ذات ثقل إقليمي (قطر) ومجموعة دولية من الدول العربية والإسلامية يمكن أن يجبر على إعادة رسم خطوط الموقف تجاه إسرائيل بسرعة، عبر خطوات رمزية ومادية ذات أثر اقتصادي ودبلوماسي.
لقد كانت فرصة لتحويل الغضب إلى رادع من خلال خطوات متسقة ومتصاعدة تجعل الاستهداف المتكرر أكثر كلفة من المكسب المفترض.
ثانيًا، السياسة الإسرائيلية تقوم على حسابات لتكلفة الفعل وما إذا كانت الكلفة ستُردعها. حينما يرى صانع القرار الإسرائيلي أن ردود الفعل سيقتصر معظمها على بيانات استنكار، فإن الرسالة العملية تكون: «الاستهدافات واردة ومقبولة سياسياً»، وبالتالي تستمر في اعتماد أساليب الضغط والهجوم كأدوات لبلوغ أهدافها الاستراتيجية. أما لو تبنّت دول القمة إجراءات اقتصادية ودبلوماسية منظمة — حتى لو كانت محدودة وقابلة للتصعيد المرحلي — فإن هذا من شأنه أن يغيّر طريقة الحساب لدى تل أبيب ويجعلها تعيد تقييم خياراتها.
لماذا فشلت القمة في تحويل الفرصة إلى رادع عملي؟
السبب الأول يعود إلى تباين المصالح والتحفظات بين الدول المشاركة. دولٌ كثيرة تربطها بإسرائيل علاقات أمنية أو اقتصادية أو سياسية حسّاسة، وبعضها معني بالحفاظ على دعم دول عظمى أو مصالح داخلية لا تسمح بردود فعل تصعيدية قد تقود إلى خسائر مباشرة.
هذا التباين يؤدي إلى أخذ الموقف إلى أدنى مشتركات ممكنة: بيانات إدانة وتصريحات تضامن لا تتجاوز المستوى الرمزي.
السبب الثاني يتعلق بموضعية الدور الأمريكي والدولي: دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، وعدم وضوح موقف فاعل عالمي يفرض كلفة فعلية على إسرائيل، يقلّص قدرة الدول الإقليمية على ممارسة ضغوط منسَّقة بخلاف التصريحات. كما أن مخاوف من ردود فعل أمنية أو اقتصادية من حلفاء لإسرائيل تجعل ثمّة حسابات موازٍ تحول دون تبنّي إجراءات حسّاسة كالقيود على التجارة أو تفعيل آليات قانونية دولية.
ثالثًا، ضعف الآليات المؤسسية المشتركة لدى الأقطاب العربية والإسلامية في تنفيذ قرارات موحّدة سريعة يُبرز قصورًا تنظيمياً: حتى في حال الاتفاق السياسي، لا تتوافر لدى كثير من الدول آليات فورية لتجميد اتفاقيات أو فرض عقوبات مشتركة، وهو ما يحوّل «النية السياسية» إلى قرارات بلا أثر فوري.
ذلك يعني أن القمة لم تُعدّ قائمة مراحل واضحة للتصعيد التدريجي الذي يمكن أن يضغط على إسرائيل فعليًا.
الآثار المتوقعة لإصرار القمة على الإدانة دون أدوات رادعة
المحصلة العملية هي تعزيز منطق الإفلات من العقاب. عندما لا تتبع الإدانة بآليات واقع، تتولد حوافز للاستمرار في السلوك العدواني: إسرائيل قد تعتبر أن ثمن الهجمات على خصومها أو حتى على وسطاء تفاوضيّين أقل من قيمة القيود التي قد تواجهها، وبذلك يستمر التمدد العسكري والاستيطاني دون رادع حقيقي.
كما أن ثقة الشعوب العربية والإسلامية في فاعلية قادتهم ودبلوماسيتهم تتضرر عندما تُترجم القمم إلى بيانات فقط، ما قد يؤدي إلى تصاعد ضغوط شعبية تُحتم اتخاذ خطوات أكثر جذرية في المستقبل، أو خلاف ذلك تزيد من حالة الإحباط السياسي.
انتقاد استراتيجي للخيارات المفقودة: ماذا كان ينبغي أن تفعل القمة فورًا؟
من منظور عملي واستراتيجي، كان بوسع القمة اعتماد آلية تصاعدية واضحة: الإعلان الفوري عن سلسلة إجراءات مرحلية وموثّقة تُطبّق إذا تكرّرت الاستهدافات؛ بدءًا من إجراءات دبلوماسية (استدعاء سفراء، تجميد علاقات رسمية جزئية)، مرورًا بإجراءات اقتصادية محدودة (حظر إجراءات تجارية مع شركات تعمل في المستوطنات أو تجميد مشاريع اقتصادية محددة أو منع الشركات التي تتعامل مع إسرائيل من القيام بأي عمل تجاري في الوقت الحالي )، وانتهاء بتحرّك قانوني مشترك يدعم إحالة العدوان على قطر الى المحكمة الجنائية الدولية الذي يدخل في اختصاصها وفقا لنظام روما الأساسي التحقيق في هذه الجريمة وادانة مرتكبيها بدءًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومرورا برئيس اركان جيش الاحتلال الإسرائيلي ووصولا إلى كافة القادة العسكريين والأمنيين الذي اتخذوا قرار العدوان.
مثل هذه المسارات لا تعني البدء بحرب، لكنها تعني زيادة التكلفة السياسية والاقتصادية على إسرائيل بما يدفع صانعي القرار لإعادة تقييم جدوى استمرار السياسة الحالية. فشل القمة في وضع جدول زمني ومراتب واضحة للردع هو ما حوّل الفرصة إلى مجرد بيان إدانة.
خاتمة: من التضامن الخطابي إلى الفعل الرادع
قمة الدوحة برهنت على قدرة الزخم الرمزي في لحظات الأزمات؛ إذ نجحت في إظهار تضامن عربي-إسلامي غير مسبوق ضدّ استهداف وسيط تفاوضي. لكنّ هذا التضامن ظلّ خطابًا بلا أذرع تنفيذية. وفي عالم تُحسَم فيه صراعات القوة بالموازين الملموسة، لا يكفي للردع أن يقتصر على النبرة الأخلاقية والسياسية وحدها. لمعالجة انهيار ميكانيزمات الردع، يلزم تحويل العتاب السياسي إلى حزمة أدوات متفق عليها ذات مراحل زمنية واضحة، قادرة على زيادة تكلفة الاعتداءات الإسرائيلية بدرجات متصاعدة ومعلنة.
إن إبقاء الخيار على مستوى الإدانة فقط لا يخدم الأمن الإقليمي ولا يردع نمطًا من العنف الذي بات يتجاوز حدود الصراع التقليدي. إن السؤال الاستراتيجي الذي تفرضه التجربة الأخيرة هو ما إذا كانت الدوحة والفاعلون الإقليميون مستعدّون لتحويل هذا الغضب إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ، أم سيبقى التضامن الرمزي مليئًا بالبلاغة بلا أثر.
