بين استراتيجية كسر الجمود والاحتلال الكامل: لماذا استهداف قيادات حماس

تابعنا على:   18:00 2025-09-13

عياد البطنيجي

أمد/ تُعدّ الحرب في غزة حالياً في مرحلة معقدة. فبينما حققت إسرائيل أهدافها العسكرية الأولية، لم تنجح في إنهاء الصراع بشكل حاسم. وفي المقابل، ترفض حماس الاستسلام رغم الهزيمة الواضحة. هذا الجمود دفع إسرائيل إلى البحث عن استراتيجية جديدة، بعيدًا عن خيارين مكلفين: إما حرب استنزاف طويلة الأمد، أو احتلال كامل لغزة.
إن استهداف قيادة حماس في قطر ليس مجرد تحذير، بل هو خطوة استراتيجية فعلية تهدف إلى إحداث تحول عميق في مسار الحرب والمفاوضات. ففي ظل حالة الجمود الحالية، حيث حققت إسرائيل أهدافها العسكرية الأولية لكن الحرب لم تنتهِ بعد، وتُحكَم على حماس بالهزيمة لكنها ترفض الاستسلام، أصبح الحل هو استهداف رأس القيادة. تهدف هذه العملية إلى إحداث اختراق فعلي في المفاوضات عبر إجبار الحركة على تقديم قيادة جديدة أكثر واقعية تتخلى عن الشعارات لصالح الحلول العملية.
كابوس الاحتلال الكامل
إن خيار الاحتلال الشامل لغزة ليس مجرد قرار عسكري، بل هو كابوس استراتيجي يخشاه نتنياهو. وهذا ما يفسر تردد نتنياهو. فالأمر لا يقتصر على تكبد خسائر بشرية ومادية فادحة للجيش الإسرائيلي، بل يتعداه إلى تحمل عبء أمني وإداري هائل. ستجد إسرائيل نفسها مسؤولة عن إدارة قطاع مدمر يقطنه ملايين الفلسطينيين، مع كل ما يترتب على ذلك من تكاليف باهظة لإعادة الإعمار، وعبء توفير الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم. هذا العبء، بالإضافة إلى الإدانة الدولية المحتملة والعزلة السياسية التي قد تواجهها إسرائيل، يجعل من الاحتلال الكامل خياراً غير مجدٍ استراتيجياً، ولن تجد من يدعمها في حال أقدمت على هذا الاحتلال.
"الاستهداف القيمي" كبديل عن الأهداف العسكرية
لا تهدف العمليات العسكرية الإسرائيلية في قلب مدينة غزة إلى تدمير أهداف عسكرية حقيقية بالمعنى التقليدي. بل تعتمد على مفهوم "الاستهداف القيمي"، وهو نهج مستمد من نظرية القصف الاستراتيجي. بدلاً من استهداف مواقع عسكرية، يتم قصف البنى التحتية المدنية التي تُعتبر ذات أهمية استراتيجية. فالأبراج السكنية، والمراكز المدنية، وحتى الجامعات، تُعتبر "أهدافاً ذات قيمة" لأن تدميرها يخدم هدفين رئيسيين: إضعاف الروح المعنوية لدى السكان والمقاومة، وإجبار السكان على النزوح لتخفيف الضغط على القوات المهاجمة. وهذا يختلف كلياً عن استراتيجية الهدم "الدفاعي" التي استخدمتها إسرائيل في المناطق الحدودية لإقامة منطقة عازلة لتوفير عمق استراتيجي اصطناعي، وكشف الأنفاق.
استراتيجية القوة الممزوجة بالتردد
من الواضح أن إسرائيل تسعى لتجنب حالة الجمود أو الاستنزاف في الحرب. يبدو أن نتنياهو يتبنى استراتيجية مركبة تجمع بين القوة والتردد. تتجسد هذه الاستراتيجية في تنفيذ عمليات عسكرية محدودة على مشارف غزة دون الوصول إلى احتلال كامل، مع مواصلة استهداف البنية التحتية وقادة حماس. الهدف هو تحقيق اختراق حقيقي في مسار الحرب، من خلال الضغط المتواصل على حماس، دون تحمل التكلفة الباهظة للاحتلال الشامل. وتبقى غزة تحت ضغوط متناوبة، ما بين التشدد والتراخي، حتى يتم التوصل إلى حل شامل.

اخر الأخبار