العدالة الدولية في مواجهة القوة الأمريكية

تابعنا على:   14:59 2025-08-21

عدلي اليازوري

أمد/ في خطوة مثيرة للجدل، فرضت الولايات المتحدة عقوبات جديدة على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية (ICC)، متهمة إياهم بـ”تجاوز صلاحياتهم” بعدما أعلنوا المضي قدماً في تحقيقات حول جرائم حرب ارتكبتها القوات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وتحديداً في قطاع غزة، الخطوة وُصفت من قبل خبراء القانون بأنها ترهيب مباشر للقضاة الدوليين ومحاولة لإجهاض العدالة على المستوى العالمي.

ولأمريكا عداء قديم مع القضاء الدولي
فليست هذه المرة الأولى التي تقف فيها واشنطن ضد المحاكم الدولية. فمنذ عقود، أظهرت الولايات المتحدة رفضاً واضحاً لأي اختصاص قد يحد من حركتها العسكرية أو يطال حلفاءها وتحديداً اسرائيل ونذكر منها:
    – 1986 قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة (محكمة العدل الدولية): المحكمة أدانت واشنطن لدعمها متمردي “الكونترا” وزرع ألغام في موانئ نيكاراغوا، وألزمتها بدفع تعويضات. الرد الأمريكي كان الانسحاب من اختصاص المحكمة وعدم تنفيذ الحكم.
-2019  أفغانستان (المحكمة الجنائية الدولية): حين فتحت المدعية العامة - فاتو بنسودا-تحقيقاً في انتهاكات ارتكبها الجيش الأمريكي، ردت إدارة ترامب بفرض عقوبات مالية وحظر سفر على القضاة، في سابقة اعتُبرت اعتداءً على استقلال القضاء الدولي.

واليوم يُشكل الدعم الأمريكي لإسرائيل سبباً رئيسياً لتوتر العلاقات مع القضاء الدولي على خلفية قرارته:
2004 – الجدار العازل (محكمة العدل الدولية): المحكمة اعتبرت بناء الجدار في الضفة الغربية غير قانوني وألزمت إسرائيل بهدمه وتعويض الفلسطينيين. لكن تل أبيب تجاهلت القرار بدعم أمريكي مباشر.
2015 – ملفات جرائم الحرب في غزة (المحكمة الجنائية الدولية): مع تزايد الدعوات للتحقيق في استهداف المدنيين والحصار والاستيطان، أعلنت المحكمة ولايتها على الأراضي الفلسطينية. إسرائيل رفضت الاعتراف، فيما هددت واشنطن باتخاذ إجراءات عقابية ضد أي قاضٍ يلاحق مسؤولين إسرائيليين.

    - 2024  المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أعلن طلب إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالنت بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، تشمل استهداف المدنيين واستخدام الحصار كسلاح جماعي. القرار أحدث صدمة سياسية في تل أبيب، فيما سارعت واشنطن لرفضه واعتباره “غير شرعي” وموجه سياسياً ضد إسرائيل.

العقوبات الأمريكية لا تقتصر على الموقف السياسي، بل تشمل:
- تجميد أصول مالية للقضاة في حال وجودها داخل الولايات المتحدة.
- منع دخولهم إلى الأراضي الأمريكية.
- توجيه رسائل سياسية مفادها أن أي محاولة لملاحقة جنود أو مسؤولين أمريكيين أو إسرائيليين ستُواجَه برد صارم.

ويرى حقوقيون أن هذه الخطوات تمثل إرهاباً للقضاة، لأنها تستهدفهم شخصياً لا كمؤسسة، ما يهدد استقلالية القضاء الدولي.

وأدى ذلك لردود من الأمم المتحدة، وعدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى منظمات حقوقية بارزة مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، حيث اعتبرت أن العقوبات الأمريكية تمثل ضربة لفكرة سيادة القانون الدولي، وأنها تكشف ازدواجية واشنطن التي ترفع شعار “العدالة وحقوق الإنسان” حين يخدم مصالحها، لكنها ترفضه حين يقترب من سلوكها أو حلفائها.

 واليوم نرى أن العدالة في مواجهة القوة، فالرسالة التي تبعثها واشنطن اليوم خطيرة: العدالة الدولية مباحة ومطلوبة صد الضعفاء وما دامت لا تمس الأقوياء، أما إذا اقتربت منهم فهي مرفوضة ومُعاقبة. هذا المنطق يعيدنا إلى قانون الغاب، حيث يُحاسَب الضعفاء بينما يتمتع الأقوياء بالحصانة.

إن استمرار العقوبات ضد قضاة المحكمة الجنائية الدولية لا يهدد فقط استقلال القضاء، بل يُضعِف إيمان الشعوب والدول بمفهوم العدالة نفسه. فإذا كان بإمكان دولة عظمى كأمريكا أن تُرهب قضاة العالم، فما الذي يمنع الآخرين، وما الذي يبقى من حلم بناء نظام عالمي تحكمه القوانين لا القوة.
 

اخر الأخبار