اسرائيل الكبرى والشرق الأوسط الجديد: قراءة في المدى المنظور
د. حسام شحادة
أمد/ تتصدر فكرة "إسرائيل الكبرى" النقاش السياسي في الشرق الأوسط منذ عقود، فهي تصور يذهب إلى ما وراء الحدود الحالية للدولة الإسرائيلية، ويشير إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى للنفوذ والسيطرة على أجزاء واسعة من المنطقة. هذه الفكرة لم تعد مجرد رؤية صهيونية في الكتب الدينية والسياسية، بل انعكست بوضوح على الواقع الجيوسياسي منذ نهاية الحرب الباردة وحتى اليوم.
في الفكر الصهيوني المبكر، تحدثت بعض النصوص عن "أرض إسرائيل" من النيل إلى الفرات، لكن لم تتفق جميع التيارات على تطبيق هذا التصور حرفيًا. ومع تطور السياسات الحديثة، ظهرت وثائق مثل "خطة ينون" (1982) التي تصور تفتيت الدول العربية إلى كيانات صغيرة، لضمان تفوق إسرائيل العسكري والسياسي.
خلال التسعينيات وبعد غزو العراق عام 2003، بدا الشرق الأوسط وكأنه يشهد إعادة رسم خريطة جديدة، شملت تفتيت بعض الدول المركزية مثل العراق وسوريا، وربط إسرائيل اقتصاديًا بدول المنطقة من خلال مشاريع الطاقة والنقل. وبرزت قوى إقليمية جديدة مثل تركيا، إيران، إسرائيل، والسعودية، بينما تراجع الدور العربي التقليدي.
أما في الواقع الحالي، ومع استمرار العدوان على غزة، فقد أظهرت الحرب هشاشة النظام الدولي، إذ رغم أن إسرائيل واجهت انتقادات دولية واسعة، إلا أنها اتخذت خطوات أكثر راديكالية على الأرض، من التهجير إلى إعادة هندسة الواقع السكاني في القطاع. في المقابل، بدأ تتشكل تحالفات إقليمية جديدة مستندة إلى التطبيع مع إسرائيل في صياغة جديدة، بما يتناسب مع ميزان القوى الجديد، وخاصة عبر ما يُسمى "السلام الاقتصادي".
ومن المتوقع ان يكون هناك أكثر من سيناريو مستقبلي منظور:
أولا: السيناريو المتفائل لإسرائيل: تثبيت التطبيع مع دول عربية جديدة، ودمج إسرائيل في مشاريع الطاقة الإقليمية، مع تقليص المقاومة المسلحة عبر ترتيبات أمنية وديموغرافية جديدة في غزة والضفة.
ثانيا: السيناريو المتشائم لإسرائيل: اتساع محور المقاومة بدعم إيراني–روسي–صيني، ما يحد من قدرة إسرائيل على فرض إملاءاتها، ويزيد من عزلة الدولة دوليًا، وقد يؤدي إلى توترات داخلية نتيجة صدام التيارات الدينية والعلمانية.
من المتوقع أيضًا بروز كيانات شبه مستقلة داخل دول عربية مفككة، وتراجع الحدود التقليدية لصالح مناطق نفوذ اقتصادية–عسكرية، مع ازدياد أهمية الممرات المائية مثل قناة السويس وباب المندب ومضيق هرمز كمحاور صراع وجذب.
في النهاية، يظل مشروع "إسرائيل الكبرى" أقرب إلى استراتيجية نفوذ منه إلى توسع حدودي مباشر، لكن أدواته—من التطبيع الاقتصادي إلى إعادة هندسة الخرائط السياسية—ستظل فاعلة، في ظل هشاشة الوضع العربي وانقساماته. أما "الشرق الأوسط الجديد"، فهو ليس مجرد شعار سياسي، بل عملية إعادة تشكيل جذرية للمنطقة، تتداخل فيها مصالح القوى الكبرى مع الحسابات الإسرائيلية، في سباق مستمر بين الهيمنة والمقاومة.
