اغتيال أنس الشريف: بين تكميم الحقيقة وتمهيد الطريق لاحتلال غزة الكامل
سالي علاوي
أمد/ استشهد الصحفي الفلسطيني أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، مع أربعة من زملائه (محمد قريقع، إبراهيم ظاهر، محمد نوفل، ومؤمن عليوة) في غارة جوية إسرائيلية استهدفت خيمة إعلامية قرب مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة.
هذا الحادث، الذي أثار موجة إدانات فلسطينية ودولية، أُعتبر ليس مجرد استهداف لأفراد، بل جزءاً من استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى إسكات الأصوات الصحفية التي توثق الأحداث في غزة، خاصة في سياق التحضير لعملية عسكرية محتملة لاحتلال القطاع بالكامل.
ما العلاقة بين اغتيال أنس الشريف والخطط الإسرائيلية لاحتلال غزة؟
أنس الشريف صحفي فلسطيني من مخيم جباليا، برز كأحد أهم الأصوات الإعلامية في شمال قطاع غزة خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ أكتوبر 2023.
من خلال تقاريره الميدانية لقناة الجزيرة، وثّق الشريف المجازر اليومية، المجاعة، والدمار الذي يعانيه أهل غزة، متحدياً ظروف الحرب القاسية، بما في ذلك استهداف منزله واستشهاد والده في ديسمبر 2023.
وصيته، التي نُشرت بعد استشهاده، كشفت عن إدراكه للخطر الذي يواجهه، حيث قال: "إن وصلتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي"، مؤكداً التزامه بنقل الحقيقة مهما كان الثمن.
يأتي اغتيال الشريف وزملائه في سياق تصعيد إسرائيلي شامل ضد الإعلام الفلسطيني.
منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، قتلت إسرائيل أكثر من 237 صحفياً، وفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، بهدف فرض تعتيم إعلامي على الجرائم المرتكبة في القطاع.
الشريف، الذي كان أحد آخر الصحفيين العاملين في شمال غزة، تعرض لحملة تحريض إسرائيلية مكثفة، شملت تهديدات مباشرة من الجيش الإسرائيلي، واتهامات زائفة بأنه قيادي في حركة حماس، وهي رواية اعتادت إسرائيل استخدامها لتبرير استهداف الصحفيين.
المقررة الأممية إيرين خان حذرت في 31 يوليو 2025 من التهديدات الإسرائيلية ضد الشريف، واصفة إياها بـ"محاولة سافرة لإسكاته".
الجيش الإسرائيلي أقر رسمياً باستهداف الشريف وزملائه، مدعياً أنهم كانوا أعضاء في حماس، وهو ادعاء رفضته الجزيرة ومنظمات حرية الصحافة مثل "مراسلون بلا حدود".
هذا الاستهداف لم يكن حادثاً عرضياً، بل جزءاً من سياسة ممنهجة لإسكات الأصوات التي تفضح الانتهاكات الإسرائيلية، خاصة مع تصاعد الحديث عن خطة إسرائيلية لاحتلال كامل غزة.
استهداف الصحفيين مثل الشريف، الذين وثقوا المجاعة والمجازر، يهدف إلى تقليل الشهود الميدانيين القادرين على نقل الحقيقة إلى العالم. الجزيرة وصفت الاغتيال بأنه "محاولة يائسة لإسكات الأصوات الصحفية استباقاً لعملية احتلال غزة".
كما تسعى إسرائيل لفرض تعتيم إعلامي لتتمكن من تنفيذ جرائم أكثر قسوة، بما في ذلك التهجير القسري لسكان غزة، كما يدعو إليه وزراء متطرفون مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.
الصحفيون مثل الشريف يشكلون تهديداً استراتيجياً لإسرائيل، لأن تقاريرهم تغذي الرأي العام العالمي وتوفر أدلة للمحاكم الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية، استهدافهم يهدف إلى قطع صلة المقاومة الفلسطينية بالعالم الخارجي.
اغتيال الصحفيين يُعتبر جريمة حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، وتحديداً المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف (1977)، التي تمنح الصحفيين حماية كمدنيين. ومع ذلك، فإن الصمت الدولي وغياب آليات المساءلة يعززان الإفلات من العقاب، مما يشجع إسرائيل على مواصلة استهداف الصحفيين.
اغتيال الشريف ورفاقه ترك أثراً عميقاً على أهل غزة، فالشريف لم يكن مجرد صحفي، بل رمزاً للصمود.
وصيته، التي دعت إلى التمسك بفلسطين ومواصلة نقل الحقيقة، ألهمت الكثيرين، مؤكدة أن "دمه سيكون نوراً يضيء درب الحرية".
