فاوضات غزة: من الحرب المكثفة إلى أفق سياسي جديد بعد إزاحة حماس

تابعنا على:   18:55 2025-08-04

عياد البطنيجي

أمد/ لقد تحول النقاش حول غزة اليوم من دائرة المفاوضات المتعثرة وتهديدات الحرب المستمرة إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا وحسمًا. فمع فرضية انتهاء الحرب المكثفة بعد أن تكون إسرائيل قد حققت أهدافها الاستراتيجية، أصبح السؤال الأساسي لم يعد عن ما إذا كانت الحرب ستنتهي، بل عن ماذا سيحدث بعد الحرب؟ وكيف سيتم التعامل مع التحديات الهائلة التي تنتظر القطاع. هذه المرحلة الجديدة تضع الجميع أمام واقع مختلف تمامًا، حيث لم يعد التركيز على المواجهة العسكرية، بل على كيفية إدارة الفراغ السياسي والأمني الذي تركته.

في الماضي القريب، كان المشهد يتسم بجمود تام. حماس كانت تصر على شروطها المتمثلة في وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل مقابل الإفراج عن الأسرى، وبالتالي الاحتفاظ بالحكم، وهو ما اعتبرته إسرائيل شروطًا غير مقبولة وتهديدًا لاستمرار وجودها. حكومة بنيامين نتنياهو كانت تراهن على تحقيق "النصر المطلق"، معتبرة أن أي تسوية قبل تدمير البنية العسكرية والسياسية لحماس هي بمثابة هزيمة استراتيجية.

في هذا الوقت، كانت القوى الدولية والإقليمية تدور في فلكها الخاص؛ فالولايات المتحدة ركزت على إطلاق سراح المختطفين، وأوروبا طالبت بحل سياسي مبني على حل الدولتين مع نزع سلاح حماس، بينما ألقى الوسطاء العرب باللوم على نتنياهو لتعطيل أي تسوية، مؤكدين على أهمية حل الدولتين. هذا التناقض الجذري في الأهداف هو ما جعل استمرار الحرب المكثفة تهدد به حكومة إسرائيل أمرًا محتومًا في ذلك الوقت.

لكن اليوم، نرى أن إسرائيل قد حققت بالفعل أهدافها الاستراتيجية، مما ينقل النقاش إلى محور مختلف. هذا التقدير يستند إلى مؤشرات عدة؛ أبرزها تدمير البنية العسكرية والأمنية لحماس، بما في ذلك الأنفاق ومراكز القيادة، بالإضافة إلى استهداف القيادات العسكرية والسياسية، مما أضعف بشكل كبير قدرة الحركة على الحكم والقتال.

كما أن تشكيل إسرائيل لما أُطلق عليه "غلاف أمني" على حدود القطاع يشير إلى تحول استراتيجي، حيث انتقلت من مرحلة الهجوم الشامل إلى مرحلة الدفاع وتأمين الحدود، والمرابطة في مراكز حصينة أو السيطرة على الأرض، مما يجعل استمرار العمليات العسكرية الكبرى غير ضروري.

بناءً على هذا الواقع الجديد، لم يعد السؤال هو ما إذا كانت حماس ستخضع، بل هو: من سيملأ الفراغ الذي تركته؟

وعلى الرغم من أن إسرائيل لا تزال تهدد بتكثيف القتال في غزة، فإن هذا التهديد ننظر إليه على أنه تكتيك سياسي أو وسيلة ضغط أكثر منه مؤشراً على نية حقيقية للعودة إلى حرب مكثفة. فمع تحقيق الأهداف الاستراتيجية الأساسية التي أدت إلى الحرب، فإن دواعي استئناف قتال واسع النطاق قد انتهت، وتكلفة مواصلة الحرب أصبحت تفوق الفوائد المرجوة.

وبالتالي، فإن التهديد بتكثيف القتال قد يكون جزءاً من استراتيجية التفاوض أو وسيلة للضغط على الأطراف الأخرى للقبول بالواقع الجديد على الأرض.

مع فرضية انتهاء الحرب المكثفة، فإن التوجه يسير نحو حل لا يقوم على فكرة السلطة الفلسطينية بصيغتها الحالية، بل على إعادة تشكيلها وإصلاحها لتتولى حكمًا إداريًا وأمنيًا في غزة.

هذا المسار يهدف إلى تأسيس سلطة جديدة تتمتع بشرعية أكبر وقدرات أفضل على إدارة شؤون القطاع المدمر. إن هذا الحل، الذي يجمع بين فكرة الحكم الفلسطيني والضرورة الأمنية، يواجه تحديات كبيرة.

فالإصلاح يتطلب توافقًا داخليًا فلسطينيًا، ودعمًا دوليًا قويًا، وتعهدًا إسرائيليًا بعدم عرقلة عمل هذه السلطة الجديدة. يمثل هذا التوجه محاولة لخلق واقع جديد يمنع الفوضى الأمنية، ويفتح الباب أمام مرحلة إعادة إعمار شاملة، مع ربطها بمسار سياسي ربما أقل من دولة واكبر من حكم ذاتي.

وحتى لو تم تدمير الهيكل العسكري لحماس، يبقى مصير المختطفين نقطة محورية. إذا كان المختطفون في أيدي بقايا حماس أو جماعات أخرى، فإن الضغط الإسرائيلي عليهم سيتخذ أشكالاً مختلفة، وقد يعتمد بشكل أكبر على العمليات الخاصة والاستخباراتية بدلاً من الحرب الشاملة. هذا التحدي يظل قائماً بغض النظر عن نهاية القتال المكثف، ويشكل أحد أهم العقبات في طريق الاستقرار.

في الختام، إن نهاية الحرب المكثفة لا تعني نهاية التحديات، بل هي بداية لمرحلة جديدة مليئة بالصعوبات. إن الإزاحة الفعلية لحماس من المشهد السياسي والعسكري، رغم أنها تبدو لنا احل الأمثل، هي مجرد خطوة أولى نحو مستقبل أفضل. فملء الفراغ السياسي، وإعادة الإعمار، وتوفير الأمن، هي تحديات قد تكون أكثر صعوبة من الحرب نفسها لكن ربما في انسحاب حماس من المشهد يسرع من الوقت اللازم لمعالجتها.

إن مصير غزة يعتمد الآن على قدرة الفاعلين الدوليين والإقليميين على التوافق على حل ينهي الفراغ في السلطة ويؤسس لمستقبل مستقر، وإلا فإن القطاع قد يجد نفسه أمام فصل جديد من المعاناة والفوضى.

اخر الأخبار