التضليل في مزاعم المفاوضات بين حماس وإسرائيل: من يخدع من؟
د. عبد الرحيم جاموس
أمد/ في خضمّ المأساة الإنسانية غير المسبوقة التي يعيشها قطاع غزة، يروَّج عبر وسائل إعلام غربية وعربية، خصوصًا ناطقة بالعربية، لرواية مفادها أن هناك "مفاوضات شاقة" تجري بين حركة حماس وإسرائيل، وكأننا أمام طرفين متكافئين يتفاوضان على شروط وقف إطلاق النار. وتُرفَق هذه الرواية بتضخيم غير واقعي لقدرات حماس العسكرية، في تجاهل فاضح لحقيقة الدمار والموت والجوع الذي ينهش غزة منذ أشهر.
لكن الحقيقة، وفقًا لتقارير صحفية متقاطعة (رويترز، واشنطن بوست، والشرق الأوسط)، أن ما يجري ليس مفاوضات بين حماس وإسرائيل، بل تنسيق دبلوماسي وأمني يجمع تل أبيب وواشنطن والدوحة، بتنسيق مع تركيا وبعض دول الخليج، حول ملفات تتجاوز قضية الأسرى والمساعدات. هذه المباحثات، التي تُقصى منها القيادة الفلسطينية الشرعية وحتى مصر، تناقش مستقبل قطاع غزة السياسي والإداري بعد الحرب، ومآلات الانقسام، بل ومستقبل الحل السياسي للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي برمته.
الخطير أن حركة حماس، وبدلاً من التمسك بالثوابت الوطنية والعمل من داخل الإجماع الفلسطيني، تكتفي بلعب دور المتلقي عبر الوسيط القطري، في مسعى لضمان موطئ قدم لها في "ترتيبات ما بعد الحرب". وهذا الموقف لا يعبّر فقط عن استسلام سياسي، بل عن طعنة نجلاء للنضال الوطني الفلسطيني والمشروع التحرري الجامع، بل يرتقي إلى درجة الخيانة العظمى حين يجري التفريط بقضية شعب بأكمله في مقابل مكاسب فئوية ضيقة.
إن قبول حماس بأن تُدار المفاوضات عبر قاعدة العديد في قطر، ومن خلف الأبواب المغلقة، وتحت إشراف أعداء الأمس، هو إهانة لعذابات سكان قطاع غزة خاصة، ولتضحيات الفلسطينيين كافة. وهو انخراط خطير في مشروع يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وتحويلها من قضية تحرر وطني إلى مجرد ملف أمني وإنساني.
ما يجري ليس فقط تلاعبًا إعلاميًا، بل إعادة صياغة لمفهوم "المقاومة" وتحويله إلى أداة مساومة وابتزاز، وتكريس لفصل غزة عن المشروع الوطني، بما يخدم رؤية إسرائيل في تقويض حل الدولتين وإدامة الاحتلال.
إن استمرار تغييب التمثيل الوطني الجامع، وانخراط قوى فلسطينية في ترتيبات خارج الإرادة الشعبية، يشكل أكبر خطر يواجه القضية الفلسطينية اليوم، ويفرض على كل قوى الشعب الفلسطيني الحية أن تقول كلمتها قبل أن تُحسم المآلات في غرف مغلقة لا تمثل فيها فلسطين إلا كملف قابل للتفكيك.
