ثوب جديد للإحتلال : التطبيع كخنجر في ظهر القضية
محمد ناجي الهميس
أمد/ لم يعد الاحتلال الإسرائيلي يُطل من فوهة البندقية أو مدرعات الجيش فحسب، بل أصبح يظهر بربطة عنق دبلوماسية، وبابتسامة مريبة على طاولات المفاوضات، وفي صور "التقارب التاريخي" التي تُنشر بكثافة عبر الإعلام. لقد غيّر الاحتلال ملامحه، لكنه لم يغيّر جوهره. فالتطبيع، الذي يُسوّق على أنه خطوة نحو السلام، ليس إلا شكلاً جديدًا للاحتلال، وخنجرًا مغروزًا في ظهر القضية الفلسطينية.
اتفاقيات بلا ضمير
اتفاقيات التطبيع التي وقّعتها بعض العواصم العربية مع تل أبيب لم تكن، في نظر الشارع العربي، سوى صفقات سياسية واقتصادية خالية من البُعد الأخلاقي. فالاحتلال لا يزال قائمًا، والاستيطان يتوسع، والمجازر تتكرر، فيما يتم الاحتفاء بما يُسمى "سلامًا" في القاعات المغلقة.
"التطبيع هو الوجه الناعم للعدوان"، يقول أحد المحللين السياسيين، "فهو لا يُنهي القمع بل يُغلفه بورقٍ ملون، ويقدّمه كإنجاز في حين أنه تواطؤ مفضوح".
من سلام الشجعان إلى استسلام المواقف
تحت عناوين براقة مثل "الاستقرار" و"الازدهار الاقتصادي"، يتم تجاوز الدم الفلسطيني، وتجاهل معاناة اللاجئين، والتغاضي عن الأسرى والمجازر والمستوطنات التي تتكاثر كالسرطان في جسد الضفة الغربية. لا سلام يُبنى فوق أنقاض الحقوق، ولا يمكن للتنمية أن تزدهر على حساب العدالة.
تأثيرات على الوعي الجمعي
الخطير في التطبيع ليس فقط ما يفعله سياسيًا، بل ما يصنعه نفسيًا واجتماعيًا. فالتطبيع يسعى لإعادة تشكيل الوعي العربي، لجعل العدو صديقًا، والمحتل شريكًا، والضحايا مجرد تفصيل مؤسف في صفحة مطوية من التاريخ. إنه محاولة لتزييف البوصلة، وتحييد الرأي العام، ودفع الأجيال الجديدة إلى قبول "الوضع القائم" كقدر لا فكاك منه.
التطبيع ليس نهاية الحرب… بل بداية سقوط أخلاقي
في النهاية، لا يمكن لعاقل أن يعارض السلام الحقيقي، القائم على استرداد الحقوق، وإنهاء الاحتلال، وتحقيق العدالة. لكن ما يجري اليوم باسم "السلام" ليس إلا شرعنة لواقع ظالم، وتجميلًا لقبح الاحتلال، وتفريطًا بالمقدسات والكرامة.
فلسطين ليست عبئًا سياسيًا، ولا قضية منسية، بل جرح مفتوح في الوجدان العربي. وكل خطوة تطبيعية دون إنهاء الاحتلال، لا تُقرب السلام، بل تُبعد الأمل، وتُمعن في طعن قضية لا تزال تنزف.
