الوحدة العربية: إن لم تكن جغرافيًا فمعنويًا
محمد ناجي الهميس
أمد/ الوحدة العربية كانت يومًا حلمًا يراود أجيالًا متعاقبة، نادت بها الشعوب، وغنّى لها الشعراء، وحملها الزعماء شعارًا في المحافل والخطب. لكنها، على أرض الواقع، بقيت بعيدة المنال. فبين الانقسامات السياسية، والنزاعات الإقليمية، وتضارب المصالح، لم تتحقق الوحدة الجغرافية التي كان يتطلع لها الكثيرون.
لكن، هل تموت الفكرة حين يعجز الواقع عن تجسيدها؟ أم أن للوحدة وجهًا آخر يمكننا أن نحياه ونسعى إليه؟
إن لم نستطع أن نتوحد كدولٍ ضمن كيان سياسي وجغرافي واحد، فلنتوحد معنويًا… في الهم، في الموقف، في الكلمة، في الضمير.
الوحدة المعنوية لا تحتاج حدودًا تذوب، ولا جوازات تُلغى، ولا أعلامًا تُوحد. يكفي أن نشعر أننا من نسيجٍ واحد، أن ما يؤلم العراقي يؤلم الليبي، وما يُفرح الفلسطيني يُفرح المغربي. يكفي أن نرفض ظلمًا يصيب شقيقًا لنا، وأن نُسهم بكلمة، أو موقف، أو دعم، في نصرة من وقع عليه القهر، ولو من بعيد.
الوحدة المعنوية تبدأ من الإعلام الذي لا يفرق بين دم عربي وآخر، ومن المثقف الذي لا يتحول إلى أداة سلطة، ومن المواطن الذي يرى في العربي الآخر أخًا لا خصمًا، وشريكًا لا عبئًا.
نعم، لسنا مضطرين لانتظار كيان سياسي موحد كي نكون موحدين معنويًا.
يكفينا أن نُحيي فكرة العروبة لا كقومية متعصبة، بل كروح تضامن، وإحساس جمعي، ومصير مشترك.
الوحدة التي نحتاجها اليوم ليست حلم "دولة عربية واحدة" فحسب، بل حالة من التفاهم، والاحترام، والمساندة، تضع الإنسان العربي في قلب الاهتمام، وتكسر الحواجز النفسية التي زرعتها السياسة والمصالح.
إن وحدة المعنى قد تكون أقوى من وحدة الشكل، لأنها لا تُفرض بمرسوم، بل تُولد من وجدانٍ حي، وضميرٍ مشترك.
ولعلها الخطوة الأولى نحو مستقبل لا زال الحلم فيه مشروعًا… مهما طال الطريق.
