التصعيد الإسرائيلي في غزة: رسالة نتنياهو الغاضبة بعد تجاهل ترامب لتل أبيب ..!
د عبد الرحيم محمود جاموس
أمد/ فجر الأحد، استفاقت محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة على مجزرة جديدة، طالت أكثر من خمسين شهيدًا من عائلات بأكملها.
مشهد لا يخرج عن السياق العام لحرب الإبادة المستمرة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ شهور، لكنه في توقيته ودلالاته، يحمل أبعادًا سياسية أعمق، تتجاوز الميدان العسكري إلى مربع التفاعلات الإقليمية والدولية، وتحديدًا زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة إلى الخليج، التي تخطت إسرائيل وأغضبت تل أبيب.
تجاوز إسرائيل: بداية الأزمة الصامتة ......
زيارة ترامب إلى المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى، في أول جولة خارجية له بعد عودته إلى البيت الأبيض، أثارت استغراب الأوساط السياسية في تل أبيب، ليس فقط لأنها تجاهلت إسرائيل، بل لأنها أسفرت عن توقيع اتفاقيات استراتيجية في مجالات الدفاع والطاقة والتقنية دون أي تنسيق مع الحكومة الإسرائيلية، التي اعتادت أن تكون بوابة واشنطن في الشرق الأوسط، ومركز الثقل في الحسابات الأميركية.
تجاهل إسرائيل في هذه الزيارة لم يكن تفصيلاً بسيطًا، بل رسالة سياسية قاسية لحكومة نتنياهو، التي تعيش أصلاً حالة اضطراب داخلي، وتعاني من أزمة ثقة متصاعدة في واشنطن.
الرد الإسرائيلي لم يتأخر، وجاء بالشكل الوحيد الذي تجيده المؤسسة الأمنية: تصعيد عسكري دموي ضد غزة، لإعادة فرض نفسها على طاولة التحالفات من بوابة النار.
اتفاقات الخليج ومخاوف التهميش الإسرائيلي ...
الاتفاقيات التي وقعها ترامب مع السعودية تمثل تحولًا في ميزان القوى الإقليمي، يُعيد للرياض دورًا مركزيًا في قيادة التوازنات الاستراتيجية، وهو ما تراه تل أبيب خطرًا على موقعها المحوري التقليدي.
تل أبيب تعتبر أن أي بناء لتحالفات إقليمية دون مشاركتها أو إشرافها المباشر، هو تهديد لمصالحها الاستراتيجية، خاصة إن تم برعاية حليفها الأكبر: الولايات المتحدة.
هكذا جاء التصعيد الإسرائيلي ليحمل رسائل سياسية متعددة:
إلى واشنطن: لا يمكن تجاهل إسرائيل في أي تحالف أو صفقة.
إلى الخليج: التعاون مع أميركا دون إشراك إسرائيل لن يمر دون تبعات.
إلى الداخل الإسرائيلي: حكومة نتنياهو ما زالت تمسك بزمام المبادرة.
المفاوضات الأميركية الإيرانية: كابوس نتنياهو المتجدد...
في الوقت ذاته، تتكثف التحركات الأميركية لإحياء قنوات التفاوض مع إيران حول الملف النووي وبعض القضايا الإقليمية، في ما يبدو محاولة من إدارة ترامب لاستعادة التوازن مع طهران دون انزلاق مباشر نحو الحرب.
هذا المسار، الذي كانت إسرائيل أول من قوضه في السابق، يُعاد فتحه اليوم في ظل تجاهل واضح لتحفظاتها، ما زاد من قلق نتنياهو وطاقمه الأمني.
وتخشى تل أبيب أن تتطور هذه المفاوضات إلى تفاهمات واسعة، تُعيد تقليص دورها كشرطي للمنطقة، وتمنح طهران مساحة تحرّك جديدة.
لذلك، جاء التصعيد في غزة أيضًا كتحذير مزدوج: لإيران، وللولايات المتحدة في آنٍ معًا، بأن إسرائيل لا تزال صاحبة اليد الطولى في فرض المعادلات الإقليمية.
غزة من جديد: الساحة المستباحة .....
في كل مرة يشعر فيها الاحتلال الإسرائيلي بفقدان دوره، يتجه فورًا إلى غزة، القطاع المنهك والمحاصر يتحوّل إلى حقل تجارب للرسائل السياسية بالنار. عائلات تُمحى، وأحياء تُسوى بالأرض، تحت ذريعة "محاربة الإرهاب"، بينما الحقيقة أن ما يحدث هو استخدام لدماء المدنيين الفلسطينيين كورقة ضغط في لعبة المحاور وتكريس فكرة التهجير القسري لسكان قطاع غزة.
غزة ليست هي الهدف الحقيقي لهذا التصعيد، بل واشنطن، والرياض، وطهران، وحتى الداخل الإسرائيلي.
فكل صاروخ يسقط هناك، تحمله رسالة مشفّرة تُقرأ في مراكز القرار وليس في الأنقاض فقط.
ما المطلوب من الفلسطينيين؟
في مواجهة هذا المشهد المتداخل والمعقّد، لا يكفي الاستنكار أو التعويل على المجتمع الدولي الغائب. المطلوب اليوم من الفلسطينيين ما يلي:
أولًا: قراءة دقيقة للمتغيرات الإقليمية، والتقاط التحولات في علاقة واشنطن بتل أبيب.
ثانيًا: تعزيز الوحدة الوطنية وترميم البيت الداخلي لمواجهة المخاطر المتعاظمة.
ثالثًا: التحرك السياسي الذكي لاستثمار اللحظة في فضح الاحتلال دوليًا، وإعادة تقديم القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وليست بندًا في مفاوضات أو تحالفات.
لقد آن أوان قلب الطاولة، فإسرائيل تُدرك جيدًا متى تُصعّد ولماذا، ويبقى السؤال: هل ندرك نحن متى نُحسن الرد وأين؟
