الرماد فوق الجراح.. كيف يُدار الصراع العربي الإسرائيلي إعلاميًا؟!
محمد ناجي الهميس
أمد/ في أتون صراع دموي يمتد لعقود، لم تكن البنادق وحدها هي من تطلق النار، بل شاركت الكاميرات، والمحررات، والمقالات، والنشرات في معركة لا تقل ضراوة عن ميادين القتال. فالإعلام، بقدرته الهائلة على التوجيه والتأثير، صار أحد أبرز أدوات الصراع العربي الإسرائيلي، يُستخدم بمهارة لخلق روايات، وتحريف حقائق، وتزييف وعي.
منذ نشأة الكيان الصهيوني، أدركت إسرائيل أهمية الصورة والكلمة في كسب التعاطف الغربي والعالمي. فظهرت "الضحية" اليهودية في مواجهة "الهمجية" العربية، وتكررت سرديات "اللاجئ اليهودي" مقابل "الإرهابي الفلسطيني". استخدمت آلة إعلامية ضخمة، مدعومة من قوى دولية، لإعادة تشكيل الرأي العام العالمي بما يخدم مشروعها الاستيطاني والتوسعي.
في المقابل، ظل الإعلام العربي يتأرجح بين العاطفة، والتخوين، والتضليل، أحيانًا بإرادته، وأحيانًا تحت الضغط. كانت قضايا الأمة تُختزل في شعارات، وأحداث مفصلية تُدفن تحت ركام الصراعات الداخلية، أو تُسكب عليها "الرماد" لتُنسى. تحوّل بعض الإعلام العربي إلى أبواق تردد مقولات السلام الزائف، والتطبيع المُقنّع، بينما تُرتكب المجازر على مرأى العالم.
لكن وسط هذا الضباب الإعلامي، ظهرت منصات حرة، وأصوات جريئة، ومراسلون نقلوا الحقيقة من بين ركام البيوت في غزة، ومن بين الدموع في جنين، ومن فوق أسوار المسجد الأقصى. هذه الأصوات كسرت حاجز الرواية الواحدة، وفضحت الكذب المدعوم سياسيًا وإعلاميًا.
اليوم، نحن في معركة وعي لا تقل خطورة عن المعارك في الميدان. إن لم يمتلك العرب أدواتهم الإعلامية، ومؤسساتهم المهنية، وروايتهم الموحدة المدعومة بالحقائق، سيبقى العالم يرى "الضحية" مجرمًا و"الجلاد" مسالمًا.
فلا يكفي أن نغضب حين تُنتهك مقدساتنا، أو يُسفك دمنا، ثم نصمت. لا يكفي أن نرثي الضحايا، ثم ننسى أسماؤهم مع أول نشرة طقس أو مسلسل. الإعلام ليس فقط انعكاسًا للواقع، بل هو قوة لتشكيله، ومن يفرّط في هذه القوة، يترك معاركه تُحسم على طاولات الآخرين.
الوعي أول الجبهات، والكلمة طلقة، فإما أن تصيب الحقيقة، أو تخدم الباطل.
