لماذا نقول الآن أن الضرر قد وقع فعلا...؟؟

تابعنا على:   22:40 2025-04-27

أيمن جمعة

أمد/ ترامب أعلن الحرب التجارية على الصين تحديدا و باقي العالم في يوم 2 إبريل الذي اسماه يوم التحرير الوطني حين أعلن زيادة التعرفة الجمركية على البضائع المستوردة....
زيادة الجمارك على البضائع المستوردة تعني دخلا إضافيا للخزينة الأمريكية...
و لكن من الذي سيدفع في نهاية المطاف ؟
المواطن الأمريكي طبعا لأن التاجر المستورد سوف يدفع الجمارك للحكومة في الميناء و يحمل التكلفة الإضافية على السعر الأصلي بكل بساطة...
طبعا هذا يفتح المجال أيضا للمنتجين المحليين لرفع أسعارهم لأن الجمارك المفروضة خففت من هامش المنافسة و فتحت لهم المجال للتقدم بإتجاه رفع الأسعار...
لهذا ارتفعت الأسعار في أمريكا تقريبا في كل شئ...
إرتفاع الأسعار أو الغلاء المفاجئ يستدعي حاجة الناس لتأمين المزيد من السيولة النقدية لمواكبة فروقات الأسعار...
بالنسبة للموظفين في الحكومة يتوجب عليها الآن و وفقا لمؤشر غلاء الأسعار أن تدفع لموظفيها الفرق...
يعني ما أخذته الحكومة باليمين من الجمارك عليها أن تدفعه أو أكثر منه للموظفين و للإعانات و رواتب البطالة...
ماذا عن الموظفين في القطاع الخاص و هم عشرات الملايين ؟
سوف يطالبون برفع رواتبهم ايضا...فتستجيب بعض الشركات و لا يستجيب البعض الآخر...
و النتيجة المزيد من تسريح العمال و الموظفين...و ارتفاع البطالة...
طيب..ماذا عن المستثمرين و رجال الأعمال و الشركات ...الخ
لأنهم يبدأون في القلق الآن من تأثر أعمالهم و يحتاجون إلى تأمين أنفسهم بسيولة نقدية سوف يسارعون فورا إلى بيع بعض الأصول مثل الأسهم و السندات...
تشعر البنوك الكبرى و صناديق الاستثمار الضخمة ببداية القلق عند زبائنها و تلاحظ عمليات البيع التي تعكس الخوف عند صغار المستثمرين فتشرع فورا في إتخاذ إجراءات التحوط المطلوبة في هذه الحالات...
التسييل أو Liquidation
و يسمونها عمليات التكييش في غزة مثلا...
يعني بيع و تأمين السيولة و وضعها في ملاذ آمن...
إذن المحافظ الكبرى و الصناديق و البنوك و تحسبا للبيع المفاجئ تقوم هي بعمليات بيع مفاجئة...
لكي تكتمل الصورة هنا لابد أن أحدثكم أكثر عن موضوع البيع في الأسواق و مجموعات (البيع على المكشوف ) المرعبة...
يسمون العملية short selling
ابتدع هذه الطريقة في بداية الثمانينات الملياردير الأمريكي الخطير جورج سوروس الذي يقال أنه يرأس الدولة العالمية العميقة...
هذا الرجل ضارب ضد البنك المركزي البريطاني حين دخل بائعا للجنيه الاسترليني في نفس يوم زيادة الفائدة و بمبالغ هائلة...
في نهاية اليوم انتصر ساوروس و سحق الجنيه الاسترليني و أجبر البنك المركزي على الركوع...و أضاف لرصيده أكثر من مليار دولار في يوم واحد...
في التسعينات تسبب هذا الرجل بانهيار الاقتصاد الماليزي بنفس الطريقة....
بتأثير هذا الرجل تشكلت مجموعات كبيرة من الشباب الصغار في أمريكا و اوروبا و معهم آخرون من روسيا و الصين و كوريا...بهدف واحد...
المضاربة ضد السوق باستخدام البيع على المكشوف...
يحتاج الأمر إلى مخاطرة كبيرة جدا و جرأة غير محدودة و تعاون غير قابل للاختراق...
البيع على المكشوف يعني أن تضارب على السهم باستخدام رافعة مالية يعني على حساب شركة وسيطة تقوم بإقراضك مبالغ مفتوحة من المال...
حتى نهاية اليوم و الإغلاق عليك ان تسدد الالتزامات المالية للبنك الوسيط...
في ال 2020 دخلت مجموعات ال short sellers في هجوم كاسح ضد مؤشر الناسداك على مدى أسبوع تقريبا و نجحوا في إسقاطه و تسببوا في خسارة المؤشر لأكثر من تريليون دولار....
إذن حين تبدأ المحافظ و البنوك في بيع بعض ما تملك تحوطا..و استعدادا لإعادة الشراء من الأسفل...حينها تعكس اسعار السوق و الشارتات هذه الحركات...
هنا يبدأ القلق في الازدياد ...و بالتالي تزداد حالات البيع...
ترصد مجموعات ال short sellers ما يحدث و هي التي تراقب الشاشات على مدار اليوم و الساعة من كل مكان في العالم...
سريعا ما يتواصلون و يضعون خطتهم و يحددون التوقيت للهجوم...
التوقيت هنا لا يتجاوز الساعة طبعا و ربما دقائق...
في اللحظة المتفق عليها تماما و بالثانية يهاجمون جميعا نفس الهدف بنفس الطريقة و العنف...
إذا كان المستهدف الناسداك مثلا أو الداو أو اليورو..الخ...
يدخلون بائعين بكميات كبيرة متتالية بهدف الوصول إلى رقم محدد متفق عليه...
قد تنجح الخطة...و قد تفشل إذا كان هناك مجموعة قوية من المشترين الكبار ....
إذا نجحوا في تجاوز الساعة الأولى قد ينضم إليهم المزيد او يتحول بعض المشترين إلى بائعين...
تنتشر هنا حالة يسمونها الهلع panic حيث تخرج الأمور عن السيطرة نهائيا...و تتبخر مليارات الدولارات من أرصدة الشركات و البنوك أمام أعينهم....
طيب
إذا كان مشهد البيع هذا بسبب القلق و عدم اليقين...فأين الملاذ الآمن إذن و ماذا على الناس أن يشتروا ؟
في الازمات المشابهة يكون هناك ثلاثة أو أربعة ملاذات آمنة تتحول إليها السيولة و أذكرها تنازليا حسب الأهمية :
1 سندات الخزينة الأمريكية
2 الذهب
3 الين الياباني
4 الفرنك السويسري

أهمها طبعا هو السندات...و هي جوهر الحكاية و اصلها و فصلها....
سئل رئيس الفيدرالي قبل أيام فيما إذا كان سيتدخل إذا انهار سوق الأسهم فأجاب بلا...
لكن لا يمكنه قول نفس الشئ عن السندات...
ترامب أيضا لم يعبر عن بالغ القلق لانهيار الاسهم...و لكن يجن جنونه حين يسمع بانهيار سوق السندات....
السندات الأمريكية هي الدولار 
هي رمز القوة و الهيمنة و قبل ذلك الثقة العالمية المفرطة بأمريكا و قوتها و عملتها و سياستها....
ما دفع ترامب للتراجع بهذا الشكل المهين لم يكن ما حدث في سوق الأسهم أو الذهب أو العملات...
و لكن ما حدث في سوق السندات في امريكا و في العالم....
قصة السندات أكثر تعقيدا من الاسهم و الذهب...لهذا أضعكم هنا مبدأيا على حافة المشهد و نغوص في اعماقه لاحقا حين نتحدث في موضوع السندات...


 

اخر الأخبار