أخطر ما في السياسة… أن يتحول الخائن إلى بطل، والصادق إلى متهم

تابعنا على:   00:17 2025-04-17

محمد ناجي الهميس

أمد/ في زمن تتقلب فيه المفاهيم وتنقلب فيه الموازين، تصبح السياسة أداة خطيرة إذا انسلخت من القيم، وتحررت من الضمير، وتحولت إلى ساحة لتزييف الوعي. فتُلبس الخيانة ثوب البطولة، ويُتهم الصادق بالمغامرة أو التطرف، لا لشيء إلا لأنه تمسك بمبدأ أو نطق بكلمة حق.

حينما يُحتفى بمن باع الأرض والعرض، ويفرش له الإعلام البُسط الحمراء، ويُصفق له المنبطحون والمستفيدون، ندرك حينها أن السياسة لم تعد وسيلة لقيادة الشعوب نحو الأفضل، بل باتت مسرحًا للتمثيل والتضليل، حيث يعلو صوت الزيف ويُقمع صوت الصدق.

والأخطر من ذلك أن يتحول الخائن إلى مرجعية، يُستشار ويُكرَّم، ويُستضاف على الشاشات كناصح وخبير، بينما يُطارد المقاوم الحقيقي ويُتهم بالإرهاب، وتُشوَّه سمعته، ويُحاصر رزقه، وربما يُزج به في السجون.

إنها أزمة أخلاقية قبل أن تكون أزمة سياسية، حين يُمنح المنافقون المنابر، ويُقصى الأوفياء الذين لم يساوموا على الحق، ولم يقبلوا البيع في سوق الذل. يقول المفكر مالك بن نبي: "الأفكار لا تسكن القصور، بل تُولد في الأكواخ، وتموت حين تُشترى." وكذلك هي المواقف، تولد في الميدان وتموت حين يُغتال أهلها بتهم ملفقة، أو يُستبدلوا بأصوات رخوة تطلب السلام بأي ثمن، حتى لو كان على حساب الكرامة.

إن أخطر ما في السياسة ليس فقط تبدل الوجوه، بل تبدل القيم، حين يصبح الكذب دبلوماسية، والخيانة واقعية، والمقاومة تهمة. حينها نعلم أننا أمام زمن يجب أن يُكتب فيه التاريخ بيد الشعوب لا بأقلام المطبّلين.

في زمن كهذا، يصبح التمسك بالحق بطولة نادرة، ويصبح الصمت خيانة، ويغدو من الضروري أن نُميّز بين من دافعوا عن قضاياهم وكرامتهم، وبين من باعوها بأثمان بخسة. لأن الأمة التي تخلط بين الخائن والبطل، وبين الصادق والمتهم، لا تكتب مستقبلًا، بل تكتب نهايتها.

اخر الأخبار