نحنُ الحكايةُ إنْ نُسِيَتْ ...!

تابعنا على:   00:27 2025-04-11

د عبد الرحيم محمود جاموس

أمد/ نحنُ الحكايةُ إنْ نُسِيَتْ ...!
نصٌ بقلم د. عبد الرحيم جاموس
والتعليق عليه للدكتور محمد صالح الشنطي
في ذكرى الذينَ ساروا إلى موتِهمْ، كما تُساقُ الشموسُ إلى الشروق، وبقُوا فينا ناراً لا تنطفئْ ...!
نحنُ لا نُحصى على أصابعِ الوقتِ ..
ولا نُحفَظُ في دفاترِ الغيابْ ..
نحنُ سُلالةُ الترابِ إذا اشتعلْ ..
وجذورُ المعنى إذا ماتَ السؤالْ ...
***
نحنُ البدءُ ..
حينَ لم يكُنْ على وجهِ الأرضِ غيرُ الظلامْ ..
حينَ تنفَّسَتِ البنادقُ جوعَها ..
من صدرِ الفكرةِ الأولى ..
وكانتِ الحجارةُ كتابَ المدى ..
والصرخةُ ماءً لنهرِ الكرامةِ الظامئِ للحريةِ...
***
نحنُ من وقفوا بلا دروعٍ ..
سوى إيمانِهمْ ..
وبلا زادٍ ..
سوى موتٍ يتربَّصُ بهمْ ..
عندَ كلِّ عتبةٍ من عتباتِ الرجاءْ...
***
كأنَّهم شجرٌ لا يميلُ للريحِ ...
كأنَّهم صخرٌ...
يبتلعُ العاصفةْ ...
وفي صدورِهم سواعدُ الأملِ ...
وفي عيونِهم أرشيفُ البلادِ ...
إذا تاهتْ عنها الجغرافيا...
***
فيهم مَن لوّحَ للغيمِ ...
بيدٍ مبلّلةٍ بالمِلحِ ..
ومن صلّى على أرضٍ ..
مشقوقةِ الروحِ ..
ومن تخلّى عن اسمِه ..
ليُدعى باسمِ الحُلمِ ..
كلّما ناداهُ النداءْ ...!
***
فيهم مَن صعدَ بلا جناحينْ ..
ومن ماتَ واقفاً ...
كأنَّه الجبلُ يرفضُ الانحناءْ ...
وقالَ للريحِ: لا تَركعي ...!
فانحنتْ الشهادةُ لهُ…
احتراماً واعترافاً...!
***
فيهم مَن غطّى البحرَ ..
بشالِه المبلَّلِ بالوعدْ ...
ومن علّقَ خارطةَ البلادِ على عنقِه ..
كقلادةِ نجاةٍ، لا تصدأُ…
ولا تسقطْ ...!
***
هم لا يُعرَفونَ بالصورْ ..
ولا بالتواريخِ المنسيّة، ..
إنهم في الندى، ..
في الحقولِ ..
في زغاريدِ الحاراتْ ..
في صيحاتِ الصغارِ ..
وفي وجعِ الأمهاتِ آخرَ الليلْ ..
وفي الخبزِ الساخنِ …
حينَ لا أحدَ يعود ..
***
نحنُ امتدادُهمْ ..
نبني من غيابِهمْ وجوداً ..
ومن نزفِهمْ دولةً تتنفّسُ الحقيقةْ ..
نحملُ الجمرَ في الأكفِّ ..
ولا نسقطْ ..
إلّا إذا سقطَ القمرُ من عينيه ..
***
نحنُ من عبروا على شفرةِ الحدودْ ..
وساروا حفاةً على زمنٍ من شوكْ ..
نهدهدُ العاصفةَ بأهدابِ الرؤيا ..
ونصنعُ من الدمعِ سفينةْ ..
ومن المنافي وطناً ..
ومن الموتِ حياةً تتفتّحْ ..
***
لا تسألوا عن خريطتِنا ..
فهي مرسومةٌ في دقّاتِ القلبْ ..
ولا عن أعلامِنا ..
فهي خيوطُ الدمِ ..
حينَ يُنسَجُ على زندِ القهرِ نشيدْ ..
نحنُ نعرفُ أنّ الطريقَ طويلٌ ..
وأنّ الشمسَ قد يحجبُها الغيمُ عقوداً…
لكنَّها ستأتي ..
تماماً كما وعدَ الذينَ غابوا ..
ولم يغيبوا ...
***
سنصلُ ..
ذاتَ فجرٍ يُشبههمْ ..
فجرٍ تُولَدُ فيه الدولةُ من رحمِ الجمرْ ..
تغسلُ وجهَها بترابِ القدسْ ..
وتكتُبُ نشيدَها ..
بأسماءٍ لا تُقالْ …
لكنَّها تُسكَنُ في الوجدانِ ..
كما تسكنُ النارُ في الحجرْ ..
............................................
د. عبد الرحيم جاموس
الرياض 9/4/2025 م ،
Pcommety@hotmail.com
التعليق على النص بقلم الأستاذ. د. محمد صالح الشنطي.
لن تنسى حكايتنا يا أخي مهما تفنن العدو في صياغة سرديّته الوهميّة.
ما أجمل وأروع هذه الصورة الفنيّة التي عبّرت فيها عن كواكب الشهداء الذين تحوّلوا إلى بشارة فجر الانتصار وأشعلوا في قلوبنا جذوة التحفز نحو العبور من نفق الهزيمة إلى جسر الانتصار.
والصورة المبدعة التي تهزم عدّاد الزمن لتستقر في سفر الخلود وتستنبت البقاء من حقول الفناء.
وأما المشهد الثالث في سيرة الصمود فتتحدث عن أسطورة البدء وملحمة الضياء في عتمة الأزمان وحلكة الدهور وتروي قصة البدء وخرافة الانتهاء.
وفيما بعده من مشاهد تتوالى ملاحم النضال ومقارعة الفناء وهزيمة الضلال، وفي صراعٍ لا ينتهي ومكابدة لا تريم تتماهى سواعد الرجال مع صخور الجبال وتضاريس الانتصار أسفار البقاء ومواثيق الصمود وأصالة الانتماء.
ما أجمل هذا المشهد الذي تتجلّى فيه روح التحدي: اليد المبلّلة بالملح والتلويح للغيم، ثنائيّة المعاناة والأمل، والتهجد في زمن موات الروح ونكران الذات انتظاراً لإشهار الوجود وطناً وانتماءً. استقصاءٌ واستقراءٌ في شريط إبداعي تتوالى فيه المشاهد وتتزاحم عبره الرؤى تسطّر الملحمة وترسم بقلم مبدع خريطة الكفاح ورموز البطولة: الصعود والصمود والرفض.
ومعانقة المعاني الكبرى لشواهدها الحيّة في رموز البطولة وهزيمة الانحناء.
ومعانقة الكون بآيات عظمته ودلائل شموخه، ومضارعة هيبته: البحر وجغرافية الانتماء في خريطة البقاء والرد على ادعاءات الزيف وخرافات الضلال بنفي معرفتهم بتفاصيل التجذر ومواريث الأجداد ومرابع الطفولة وزغاريد الأمهات؛ فتلك الجذور الضاربة في أعماق التاريخ تقارع طغيان الزور وصولة البهتان، وتلتقط نبض الحياة في دمع المآقي وعصف الرياح ومضطرب المراكب في عرض البحر.
وفي الختام تأتي الحقيقة رغم مرارتها ساطعة، ورغم دربها الشائك حقيقة الحقائق ولب اللباب، الانتصار قادم مستكنٌّ في صخر البلاد وقلوب العباد لله درك أخي الحبيب.

اخر الأخبار