الواقف في المنتصف… أن تكون شرق أوسطيًا

تابعنا على:   07:51 2025-04-04

مارسيل غطاس

أمد/ أن تكون شرق أوسطيًا،
يعني أن تولد والسؤال يسكنك كما يسكنك الدم:
“كيف أحبُّ بلادًا تقتلني باسمها؟”
أن تستيقظ كل صباحٍ وأنت ممزق بين العشق والخذلان،
بين أن تغني للوطن، أو تصرخ من وجعه،
أن تحمل في قلبك رايتين:
واحدة خضراء بالحب،
وأخرى سوداء بالخيانة.

أن تكون شرق أوسطيًا،
يعني أن تنمو في أرضٍ مكسورة،
أن تكتب الشعر على أنقاض بيتك،
أن تحفظ أسماء الشهداء أكثر من أسماء إخوتك،
أن تعيش التهجير قبل أن تحلم بالبيت،
وأن تُصفع… ثم يُطلب منك أن تبتسم في صورة الهوية.

لبناني؟
أهلاً بك في بلاد الـ”كان يا ما كان”.
دولة بلا سيادة، بلا كهرباء، بلا عدالة.
شعبٌ يُنهب ويُصفّق،
وإذا جاع… يُقال له: اصبر، فالصبر إيمان.
مصرفك لصّ،
وقضاؤك خادم،
وزعيمك نصف إله، ونصف تاجر دم.
وإذا غضبتَ او انتقدت تهور،
اتهموك أنك عميل… ضد بلدٍ لم يعطك شيئًا إلا الطوابير.

سوري؟
أنت ابن المجد القديم… والحرب الأبدية.
أنت الناجي من الموت، والميت في الحياة.
مُلاحقٌ في لهجتك، مشكوكٌ في دمعتك،
وإذا حلمت بحريةٍ…
قالوا عنك إرهابي.
تغني لحلب التي تحوّلت رمادًا،
وتكتب عن حمص التي اختنقت بغاز الصمت،
وتسأل عن المعتقلين…
فيضحك النظام الساقط.
ومن يسأل كثيرًا…
يُمحى اسمه من الهواء.
أي سيادةٍ هذه، إن كانت السجون أكثر من المدارس؟
وأسماء القتلى أطول من سور دمشق!


فلسطيني؟
أنت الشاهد والشهيد،
اللاجئ والمقاتل،
المنفي في وطنه،
والمطلوب في أرضه.
تحفظ أسماء القرى التي لم ترها،
وتحمل مفتاحًا لبابٍ لم يُفتح منذ 1948.
كأنك تحتفظ بحلمٍ نائم منذ ٧٦ عامًا.
عدوك معروف،
لكن الغدر جاءك من “ذوي القربى”،
الذين وقّعوا بأسمائهم على خنجرك،
وقالوا لك: اصمت… فالسلام قادم!
أي سلامٍ هذا…
والقُدس لا تزال تبكي وحدها؟

أن تكون شرق أوسطيًا،
يعني أن تكون الواقف في المنتصف،
بين حبٍّ لا يُطاق،
وكرهٍ لا يُغتفر،
بين وطنٍ علمك الشعر…
وخانك حين كتبت أول بيت.

أن تكون شرق أوسطيًا،
هو أن تصرخ في صمت،
وتضحك في جنازة،
وتغني لثورةٍ ماتت قبل أن تولد.
أن تمشي على الجمر،
وإذا تألمت، قالوا: “تَحمّل، هذه مؤامرة!”

الأنظمة عندنا لا تحكم… بل تمتلك،
لا تحمي… بل تبتز،
تشتري الولاء بالدين،
وتبيع الأرض باسم المقاومة،
تحارب الحرية باسم السيادة،
وتحكم الجياع بسوط الطائفية.
تبكي على الشهداء أمام الكاميرات،
ثم تعتقل أمهاتهم في الليل.
هم لا يريدون وطناً،
بل مزرعةً… فيها شعبٌ يُصفّق،
ويسكت،
ويموت… دون أن يسأل لماذا.

نحن أبناء المنتصف،
نحمل حبًا معطوبًا،
وغضبًا مكبوتًا،
ونسير في أرضٍ لا تعرف العدل،
ولا تُجيد إلا دفن الحالمين.

لكننا نعرف:
أن الحب الحقيقي للوطن،
ليس في التغني بالأناشيد،
بل في قول الحقيقة،
حتى لو سجنونا،
حتى لو كفرونا،
حتى لو خونونا،
حتى لو قتلونا.

لأن الوطن،
هو أن تقف في وجه الظلم…
ولو كنت وحدك.
الوطن…
هو أن تبكي حين ترى طفلًا تحت الركام،
وتصرخ بأعلى صوتك:
“من المسؤول؟”

لكن في الشرق الأوسط،
يُسأَل المقتول،
ويُكرَّم القاتل،
ويُمنَح وسام الشرف… من دمك!

فأن تكون شرق أوسطيًا،
هو أن تبكي… وأنت تضحك،
أن تحب… وأنت تغادر،
أن تكتب… وأنت تخاف،
أن تموت… وأنت تصلي أن لا تموت عبثًا.

كلمات دلالية

اخر الأخبار