سلامٌ عليك أيها الزمن الجميل
محمد ناجي الهميس
أمد/ في زحام هذا الزمن المليء بالاضطرابات والصراعات، نسترجع الماضي بحنينٍ وشوق، ذلك الماضي الذي لم يكن بعيدًا جدًا، لكنه يبدو كأنّه حقبة أخرى من العيش والتفكير، حيث كان الناس أقرب إلى بعضهم البعض، قلوبهم متآلفة، ونفوسهم صافية.
زمنٌ لم يكن للفرقة فيه مكان
قبل عشرين عامًا أو أكثر، كان المجتمع أكثر تماسكًا، لم تكن الخلافات العقائدية والمذهبية تطفو إلى السطح بهذا الشكل الحاد الذي نشهده اليوم. كان الناس يختلفون، نعم، لكن خلافاتهم لم تكن تصل إلى حد الكراهية والقطيعة، كانوا يدركون أن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم. كانت السياسة تأخذ مداها في الانتخابات والمناسبات الديمقراطية، لكنها لم تكن تقطع أواصر الود، ولم تكن وسيلةً للعداوة المستمرة.
سلامٌ وأمان في كل مكان
كان المسافر يذهب ويجيء بين المدن والقرى دون خوف، الأمن كان القاعدة، والخوف كان استثناءً نادرًا. لم تكن هناك مناطق محظورة أو طرقٌ يخشى الناس عبورها، ولم يكن هناك هاجس القلق من الغدر أو السلب أو الخطف كما هو الحال الآن. كان المجتمع متكافلًا، يساعد بعضه البعض، يحترم الضيف، ويكرم العابر.
العبادة بروحانية وصفاء
أما عن العبادة، فقد كان لها طابع مختلف، كانت القلوب أكثر خشوعًا، والمناسبات الدينية كانت تحمل نكهةً خاصة. في رمضان، كانت الأجواء تعبق بالإيمان، والمساجد تمتلئ بالمصلين، والجيران يتبادلون الأطباق، وكانت العلاقات أعمق وأصدق. لم تكن الشعائر مجرد طقوس، بل كانت حياةً تنبض بالمحبة والتقارب.
حين كان سفك الدماء غريبًا
كان العنف نادرًا، وكان القتل حدثًا استثنائيًا تهتز له البلاد بأكملها. كان المجتمع يرفض سفك الدم، ويستنكره بكل قوة، أما اليوم فقد أصبح الأمر مألوفًا بشكل مخيف، وكأن الأرواح فقدت قيمتها، وكأن الدماء باتت مجرد أرقام في نشرات الأخبار.
زمنٌ لن يعود، لكنّه سيبقى في الذاكرة
لم يكن ذلك الزمن مثاليًا، لكنه كان أجمل مما نحن عليه اليوم. كان هناك أخطاء، ولكنها لم تكن بحجم ما نشهده اليوم من تشرذمٍ وأحقادٍ وانقسامات. كان هناك خلافات، لكنها كانت تحت السيطرة، أما اليوم فقد خرجت عن نطاقها الطبيعي.
أيها الزمن الجميل، سلامٌ عليك، وسلامٌ على أيامك التي لن تعود، ولكنها ستظل محفورةً في قلوبنا وذاكرتنا، درسًا نستلهم منه كيف كان يمكن للعالم أن يكون أجمل لو بقي كما كان.
