سورية بين احلام المحبين وتشكيك الخصوم
صالح عوض
أمد/ ككلّ تحوّل في السياقات الواقعية ينشدّ الناس الى محاور متناقضة او متقاربة عدة، منها التشكيك وإساءة الظن والتردد والتخوف، ومنها المندفع والمتهور والمتحمس والمبرر لكل ما يصاحب عملية التحول.. ولا يسلم صاحب أي موقف من طعن في النوايا وفي المسار ولكن حركة التاريخ وسنة التدافع لا تنتظر المشككين ولا المتحمسين إنما هي سائرة بفعل قوى عميقة معظمها لا يمكن رصده بالعين المجردة بل هو كما يقال كما يتسرب الماء تحت التبن.. ولذا فالسلامة ليس ان نبتعد عن القضايا الكبيرة مهما كانت شائكة يحذونا أمل عظيم بأن يكون هناك تغيير نحو الأفضل في واقعنا العربي مع أن أعيننا ينبغي أن لا تغمض لحظة عن أي تجاوز كبير ولا يتوقف العقل في رصد الظواهر وتحليلها وتمييز ما هو جوهري وما هو ثانوي.. ونحن نعلم أنه رغم كل ذلك لن يسلم تحليلنا واستشرافنا من رغبات عميقة داخلنا قد تغطي على بعض جوانب الحقيقة ونحن نعرف أن أي رأي لن يصل الى الكمال ولكنه الجهد الذي لابد منه علّنا نكتشف بعض النور للإنعتاق.
سورية ليست لعبة:
نحن ندرك ان المكان هنا يتجلى فيه الاقتدار على منح أهله مهمات نوعية وأن المكان هنا بحد ذاته يمتلك فلسفة قادرة ان تهب أصحاب الأفكار المختلفة ألوانا خاصة، فسورية وبلاد الشام عامة مهبط النبوات ومهد الرسالات والأنبياء والأولياء والأقطاب والصالحين وساحة الصراعات الإستراتيجية بين الإمبراطوريات وهي تتوسط العالم روحا وجغرافيا وتقف على الاعتدال والإنسانية وكل ما عدا ذلك يبدو شاذا منحرفا مذموما سريعا ما تلفظه وهي تتكيف في كل الأحوال مع ظروفها القاسية وتنبعث للحياة بلا يأس ولا عجز فتنتج كل جميل وتكتفي بما تصنع من حرير وما تزرع من نبات.. وفي قلب الشام كان القدس الشريف ليمنح أهل الشام مهمة مستمرة بالرباط بلا كلل ولا غفلة ويجعلهم دوما عرضة للهجمات ولم يكن بحر الشام ككل البحار انما هو دوما مفتوح على القادم من الغرب بأطماعه وثقافاته إلا أن الشام كان دوما يستعصي على التطبيع والتبعية والخضوع ويظل ينبض بروحه الأبية المكتنزة كل المعاني النبيلة التي فاض بها المكان العبقري وما تلبث ارض الشام أن تمور تحت أقدام الطغاة إلى الأبد.. هي سورية لا سلم بدونها بل الحرب تندلع منها هي فلب العالم وقلب العرب وقلب الإسلام العظيم وقلب المسيحية السمحاء.
يبدو أنا أهمية قراءة المكان بما حمل من حضارات وتجارب بشرية كلما ساقنا الحديث عن المستقبل والواقع لأن المواقع لا تتشابه والجغرافيا السياسية لها لوازمها وثوابتها، وهذا ما يفسر لنا الاهتمام الكبير الذي انتفض له العالم كله شرقا وغربا بعد بداية التغيير في المشهد السوري وأبدى الجميع اهتماما خاصا بتطورات الأوضاع وبسير الأحداث الأمر الذي أدهش الجميع فلقد أصبحت دمشق لعدة أشهر محجة السياسيين والأمنيين والإعلاميين من كل العالم وأصبحت أحداثها الصغير والجليل تحت مجهر مكبر.
أهمية سورية في الإقليم والعالم تؤكد ان من يستطيع ان يجعلها في مساقه فانه يتقدم على الآخرين في تسجيل النقاط الإستراتيجية الكبيرة في خضم صراع النفوذ ومن يخسرها ينتكس حزينا مكسورا بلا رجعة..
في كل مرة أجد نفسي مضطرا للحدث في هذا المنحى لأنني اعتقد ان كثيرا من الفاشلين في الملف السوري لم يقرؤوا التاريخ ولم يفهموا طبيعة المكان والموقع وظن بعضهم بجهل وغباء أنّه بإمكانه تغيير ما للمكان من خصوصية وما للموقع من مهمات وأنّ سورية أصعب بكثير مما يظن من احتمال ابتلاعها وهضمها في مشروعه القومي أو الطائفي.. فلئن كانت مصر تمتلك خاصية تمصير كل وافد إليها من الغزاة او الثقافات او اللغات تعجنه فيتحول مصريا بخصائص متميزة جديدة.. فان الشام تتحصن بذاتها تصمت على غيظ وترابط بعزة ولا تصالح غزاتها ولا تداخلهم وتظل ممتلئة بذاتها حتى إذا حان الحين لفظت الأغراب الغزاة المشوشين والمشوهين الى لا رجعة.. وبمقدار ما يمتاز به المكان من إنسانية فائقة تجعل من الوافدين أبناء مجتمع في تسامح فذ لا يتكرر في غير بلاد الشام فهي ملجأ الفارين الهاربين من الظلم والجوع والحروب اتسعت لكل الشعوب والملل إلا أن المكان عصي على التذويب و أبي على كل محاولات الإذلال.
ماذا يحصل في سورية:
سقوط النظام السوري الهش الذي فقد شرعيته وقدرته على توحيد البلاد كان خطوة كبيرة في طريق تغيير الواقع بكل أشكاله من الفساد والظلم والعبث وهذه خطوة كبيرة لم يكن من السهل انجازها بعد ان جوّف النظام المجتمع بتشريد أهله وقتل ملايينهم وتشريد أكثر من 10 مليون نسمة من بيوتهم وقد احتمى النظام بقوى إقليمية ودولية بعناوين كثيرة كان للبعد الطائفي حضورا متميزا فيها.. وينبغي أن يتحلى الجميع بيقين ان انهيار النظام السوري ليس هو التحدي الوحيد بل ليس هو التحدي الأكبر لكنه التحدي الأول الذي استهدفته عملية التغيير، انه باب يفتح على كل التحديات الخطيرة داخليا وخارجيا بنيويا واتجاها وقضية.
وهنا لا يستجيب تحليلنا الى منطق الإغراق بالتفسير التآمري وإحالة الأمر إلى مخطط خارجي لم يكن السوريون فيه إلا بيادق مع إننا لا نستبعد رغبات وتطلعات الآخرين في الإقليم والعالم.. وقبل ان نشيح بوجوهنا عن مثل هذا التفسير نؤكد ان هناك كثيرون قد استفادوا بلاشك من إسقاط النظام فكما سبق وان أكدنا ان سورية تهم الجميع وكل ما يحصل فيها هو بلا شك يجد انعكاسه في الإقليم والعالم .. فلا يمكن إغفال أن تركيا ترحب بما حصل وتدعمه كيف لا وهي بما حصل ستتخلص من الخطر الكردي؟ وبلا شك ان الدول العربية المشرقية ستشعر براحة كبيرة وهي التي كانت تجد في الحضور الإيراني بسورية خطرا كبيرا على العواصم العربية والملفات العربية.. وهو بلا شك قد يوافق رضا أمريكيا في محاولة إخراج روسيا او تقييدها في المنطقة.. كل هذا صحيح إلى حد ما والى وقت لن يكون بعيدا.. ولقد كانت القيادة الصهيونية أكثر تحسسا من الجميع لما حصل ومنذ البداية عملت على تدمير السلاح السوري بعد انتصار المعارضة الإسلامية في سورية فلئن كان السلاح معطلا بيد النظام السابق فهو غير آمن ضالان بيد هؤلاء"المتطرفين" ولم تترك الأجهزة الأمنية الإسرائيلية فرصة إلا وتدخلت لإحباط المحاولة السورية وإغراق سورية في فتن داخلية ولقد صرحت القيادة الصهيونية بكل تبجح انها ستحمي أقليات لاسيما الدروز والاكراد، ووضعت سلسلة من الممنوعات والمحرمات والخطوط الحمر..
الا ان ما يحصل حتى الآن يسير في اتجاه معاكس لرغبات الأمريكان والإسرائيليين سواء كما انه يتعمق في الالتزام بمنطقته وأمنها وهويتها وينأى بسورية عن الوقوع في سياسات إقليمية ودولية تجعل من سورية دولة ذيلية.. ما حصل بانخراط القوة العسكرية الكردية قسد في المؤسسة الأمنية الرسمية يقبر خطر انفصال الكرد ويمنح التغيير نجاحا استراتيجيا بعد ان كاد الانفصاليون الأكراد ان يرسموا وضعهم الى دولة انفصالية تحتل أجزاء كبيرة من سورية تزيد على ربع التراب السوري.. و فشل في الوقت نفسه مخطط انفصال فلول النظام بالساحل الذين وجدوا دعما من قوى محلية واقليمية ودولية حيث ان أصابع الاتهام طالت دولا كإيران وروسية ومليشيا شيعية بالعراق ولبنان مع ان حزب الله اللبناني اصدر بيانا واضحا ان ليس له علاقة بما حصل.. فشلت مجموعات الفلول العسكرية رغم محاولتها الخطيرة فشلت ان تجلب إلى صفها جموع العلويين الذين سارعوا إلى الإعلان عن التزامهم بدولتهم سورية وحكومتها المؤقتة.. ولقد أكد الدروز تمسكهم بوطنهم بعد ان خرج البعض ممن لهم علاقة بإسرائيل منادين بالانفصال إلا ان القيادات الوطنية الدرزية اللبنانية والسورية كانت سدا منيعا امام الانفصاليين وهكذا تبخرت أحلام من راهن على إيقاف عملية التغيير بالتهديد بالانقسام. .
بلاشك هذا اسفين قوي في نعش الدعوات الانفصالية.. وهكذا يمكن التأكيد ان عملية التغيير انجزت الخطوة الثانية الكبيرة ولكن هذه الخطوة تحتاج ضمانات مستمرة وجهد متواصل فلابد من تعزيزها والمحافظة عليها بوسائل عديدة ثقافية إعلامية سياسية وكذلك أمنية.. أي لابد من دفن النعرات الانفصالية وتجريمها بقوة القانون كخيانة عظمى.
قفزة كبيرة نحو المواجهات:
وفورا بعد هذا الانجاز الكبير لابد من التأكيد على ان هناك تحديات عظيمة فهل يمتلك الحكام الجديد رؤية لمواجهتها وهل يتمكنون من اجتيازها بنجاح..؟ وهناك أسئلة كبيرة في هذا الصدد بعضها مطروح وكثير منها سيتولد أثناء محاولة التغيير وسوف تتحدد بناء على إجابة الحكام الجدد العملية لمستقبل سورية في المدى المنظور والبعيد سواء..
وتقف على رأس عناوين التحديات ما هي طبيعة النظام الاقتصادي المستهدف انجازه؟ ما نسمعه حتى الآن كلام فضفاض يخلط بين المفاهيم فمرة يتكلم عن عدالة اجتماعية ومرة يتحدث عن اقتصاد السوق والتجارة الحرة.. ان ضبط هذه المسألة ضروري للغاية فهو في النهاية سوف يتحكم بتوجهات النظام السياسية فمن سيجعل للنظام الاقتصادي الدولي وصندوق النقد حضور في برامجه ممنوع ان يحلم باستقلال قراره السياسي وسيادة موقفه تجاه قضاياه الجوهرية.. ثم الحديث عن طبيعة النظام هل هو رئاسي ام نيابي ام جامع بينهما هل هو وليد فكرة مدنية ام سلفية كل ذلك يجب ان يناقش بإسهاب للخروج من مطبات تنتهي بالحاكم الى دكتاتور او أراقوز..
وعلى المستوى الثقافي والتعليمي وبناء الهوية على أركان متوازنة بعد ان ذهب حزب البعث مذهبا متطرفا في البعد القومي والعلماني.. فالآن مطلوب تماما التركيز على البعد الثقافي بدون نعرات عرقية ولا عصبيات دينية إنما التسامح والبناء المشترك وهذا لا يتوقف عند حدود أبناء البلد الواحد بل وتجاه الأمة جمعاء بحيث يجب التحرر تماما من الخطاب الطائفي والانفلات من النعرات العرقية مع التركيز عمليا على ترميم ما تكسر في هذا الباب من خلال تواصل جاد مع أبناء الأمة في التكتلات والمؤسسات والدول بشتى تلونهم الثقافي والمذهبي وهنا نشير بتركيز على ضرورة فتح أبواب التواصل مع الحزب في لبنان على أسس واضحة والنظر على ما حصل في المرحلة السابقة انه كان وليد حسابات لم تكن صحيحة وان الصلح الآن أولى من التخاصم وكذلك بذل السعي نحو العراق بشتى مكوناته لان العراق توأم بلاد الشام تاريخيا.. وعلى مستوى المنطقة ينبغي ان لا تجنح الدولة السورية الى ذات يمين او شمال انما يجب ان تتحلى بعقلية الشامي الفذ في تقريب المتباعدين من أبناء العروبة والإسلام وهنا يجب ان يصبح هم الوحدة أساسيا ومتقدما لان لا دين بلا وحدة ولا فلسطين بلا وحدة.. مبدأ الوحدة لا يقتصر على الأماني والأحلام إنما ببرامج عملية تمنح الفرصة لسورية ان تقوم بدورها.
هناك بؤرة في خضم التحليل أضع لها مبررات في عدم إثارتها الصارخة إنها المواجهة مع الكيان الصهيوني الذي يغتصب فلسطين ويحتل الجولان.. وهنا يجب ان يعرف القاصي والداني ان فلسطين بالنسبة لسورية ليست كفلسطين بالنسبة لأي بلد عربي او إسلامي آخر.. ففلسطين جزء من بلاد الشام وهو تاجها.. فالسوري لا يتضامن ولا يتعاون ولا يساند فلسطين إنما هو يساند وينصر نفسه عندما ينخرط في معركتها.. السوري يعيش فلسطين قضية يومه وحياته فهو لم يكتسب معرفتها بالسمع والثقافة انما بالمعايشة فهي همه الأكبر.. لذا فان استطاعت بعض الأنظمة العربية تطبيعا مع عدو يحتل القدس وفلسطين فان أي دولة في سورية لن تستطيع فعل ذلك وهذا هو الحد الأدنى المنظور الان من النظام الجديد ولكن ينبغي أن لا يكون ذلك بشكل سلبي إنما على طريق الإعداد ليوم آت لا محالة.. وهذا دافع قوي لتوسيع العلاقات بالإقليم ومكوناته.
اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا تحديات كبيرة تفتح ابوابها اليوم ومن المؤكد أن هذا الأمر يحتاج ترتيب حسب الأولويات ولكن ينبغي ان يكون ذلك كله في إطار متماسك واضح معروف ومعزز برؤية إستراتيجية ..
سورية اليوم أمل من آمالنا الكبيرة في النهضة وأمل كبير أن تكون قاعدة وحدتنا ولكننا بدون تعجل وبدون تشكيك نقول ان هناك رؤية إستراتيجية يجب أن تحكم ذلك من اجل تحقيق الوحدة والاستقلال الاقتصادي والإعداد، وليس من الضروري ان يطرحه الإعلام بتفصيله ولكن لابد أن تسير نحوه الخطوات واثقة أكيدة.. تولانا الله برحمته
