العاقل فيكم استشهد… فهل كنتم بلا عقل؟
مارسيل غطاس
أمد/ منذ اغتيال السيد حسن، يردد بعض مناصري الحزب جملة لافتة: “العاقل فينا استشهد.” تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مجرد تعبير عن الحزن والفقد، لكنها تحمل في طياتها دلالات أعمق وأخطر مما قد يبدو للسامع العادي.
الفرق بين “العاقل” و”الأعقل”
ما يثير التساؤل هو اختيارهم لصفة “العاقل” بدلًا من “الأعقل”. فالـأعقل تعني الأكثر حكمة بين مجموعة من العقلاء، أما العاقل فهي وصف مطلق يوحي بأن هناك فردًا واحدًا فقط كان يمتلك العقل، بينما البقية مجردون منه. هنا تكمن الإشكالية الكبرى: هل هم بذلك يعترفون ضمنيًا بأنهم لا يملكون القدرة على التفكير المستقل؟
إن هذا الاستخدام ليس مجرد زلة لغوية، بل هو انعكاس لنمط تفكير مترسخ، يعبر عن حاجة نفسية للبحث عن قائد يفكر عنهم، يوجههم، ويملي عليهم ما يفعلون. في هذا السياق، يتقاطع حديثهم مع تحليلات الفيلسوف الألماني إريك فروم الذي درس الانقياد الأعمى للنازية، وشرح كيف يسعى البعض إلى التخلص من عبء التفكير الحر، مفضلين الاتكال على زعيم مطلق. وكذلك أشار الكاتب البولندي تشيسلاف ميلوش إلى الراحة النفسية التي يشعر بها البعض عندما يتولى شخص آخر تحديد طريقة تفكيرهم وسلوكهم.
التهديد المبطن في الجملة
لكن الجملة لا تقتصر على الإقرار بفقدان العقل، بل تحمل تهديدًا ضمنيًا: “العاقل الذي كان يلجمنا قد استشهد، فاحذروا منا.” وكأن لسان حالهم يقول إنهم جماعة لا يضبطها سوى وجود شخص واحد قادر على التحكم بها، وما إن يغيب هذا الشخص حتى تسود الفوضى. وهنا تُطرح أسئلة جوهرية:
• هل أنتم بطبعكم متفلتون من أي ضوابط أخلاقية وسلوكية، بحيث تحتاجون إلى من “يلجمكم” حتى لا تفقدوا السيطرة؟
• لماذا تشعرون بالحاجة إلى ترهيب الآخرين وإظهار أنفسكم ككيان غير عقلاني قد ينفجر في أي لحظة؟
دعوة إلى الارتقاء بالعقل
إذا كان البعض يرى في الطاعة العمياء والتبعية الفكرية مصدرًا للراحة النفسية، فإن العالم لا يسير بهذه الطريقة. التقدم الإنساني لا يبنى على القادة المعصومين، بل على القدرة الجماعية للأفراد على التفكير النقدي، وعلى تنافس الأفكار، وعلى الحوار البناء.
ربما لو تجرأ هؤلاء على استخدام عقولهم، لاكتشفوا قدراتهم الحقيقية. ربما لو خرجوا من عباءة التفكير المسلّم به، لأدركوا أن بإمكانهم أن يكونوا هم “العقلاء”. وربما حينها لن يكونوا بحاجة إلى البحث عن قائد يفكر عنهم، بل سيشاركون بفاعلية في صناعة مستقبلهم.
الأمم تنهض بالعقل، لا بانعدام العقل. فماذا تختارون؟
