ضياع المسمار… وضياع الوطن؟
مارسيل غطاس
أمد/ في شوارع فلسطين وفي شتات اللجوء، حيث تنطق الجدران بالوجع، ويزفر التراب بالغضب، تتراكم الأسئلة في صدور الناس كجبال من نار: إلى أين نحن ذاهبون؟ ولمن نُسلِّم أرواحنا وأحلامنا؟ هل صارت السياسة سوقًا سوداء تُباع فيها الأوطان بسعر المصالح؟
يقول المثل: “لما ضاع المسمار فقدنا الحدوة! وبسبب الحدوة فقدنا الحصان، والحصان لم يوصل الرسالة، وبسبب ذلك خسرنا الحرب.” هذا المثل، ببلاغته القاتلة، يرسم حال فلسطين اليوم. فالمسمار الضائع قد يكون الحكمة الغائبة عن قياداتنا، وقد يكون الضمير الميت في نفوس بعضهم، وقد يكون الشعب نفسه الذي أرهقته التبعية والانقسام، فصار كمن يطفئ النار بالنار.
السلطة والفصائل: من يخسر الحرب؟
تاهت فلسطين بين سلطتها التي تصدّعت جدران شرعيتها، وبين فصائلها التي أضحت كجيش بلا قيادة، يقاتل بعضه بعضًا أكثر مما يقاتل العدوّ. السلطة غارقة في وحل التنسيق الأمني، تبرّر العجز بالخوف من الأسوأ، وكأن الأسوأ لم يعد واقعًا يوميًا يعيشه الفلسطيني تحت الاحتلال. والفصائل، تلك التي رفعت السلاح باسم الكرامة، ما عادت تفرق بين الدفاع عن الشعب، والدفاع عن سلطتها على الشعب. الجميع يتحدث باسم الوطن، لكن الوطن غائب عن حديثهم.
الفساد والانقسام: أعداء الداخل قبل الاحتلال
كل يوم يُدفن شهيد، وكل يوم يُهدم بيت، وكل يوم يُطرد فلسطيني من أرضه، لكن لا السلطة تتحرك، ولا الفصائل تتوحد، وكأن دمنا صار مجرد خبر عاجل في نشرات الأخبار. لقد أصبح الاحتلال شريكًا غير معلن في خلافاتنا، يجلس مستمتعًا بمسرحية الانقسام، يراهن على أن شعبًا يأكله الفساد والتشرذم لن يحقق حريته، لأن من لا يُمسك بلجام خيوله، سيتركها تهيم في الصحراء.
هل فات الأوان؟
في النهاية، السؤال الصعب: هل نحن في لحظة فقدان المسمار، أم أننا خسرنا الحرب بالفعل؟ هل هناك متسع لإنقاذ الحدوة، والحصان، والرسالة؟ ربما، لكن هذا يحتاج إلى صحوة، إلى أن يدرك الجميع أن الوطن ليس صفقة، وليس وظيفة، وليس شعارات تُرفع في المهرجانات. فلسطين أكبر من الجميع، وهي باقية رغم كل من يحاول أن يصغرها ليضعها في جيب سلطته أو تنظيمه.
ربما لم يفت الأوان بعد، لكننا إن لم نستيقظ، فسوف نصبح مجرد قصة أخرى تروى عن شعب كان له وطن… وضاع!
