انعدام الثقة بين ترامب و نتنياهو كان العامل الأهم في نجاح التوصل لصفقة
عبد الغني الكيالي
أمد/ العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ، إلى جانب الدور المحوري لصهره جاريد كوشنر ، كانت عاملًا أساسيا في تشكيل السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط خلال الفترة الأولى من رئاسة ترامب . هذه العلاقة قامت على ثقة غير مسبوقة ، استثمرها نتنياهو لتحقيق مكاسب سياسية كبرى مثل نقل السفارة الأمريكية إلى القدس و الاعتراف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان . من جانبه كان كوشنر المهندس الرئيسي لخطط ترامب في المنطقة بما في ذلك "صفقة القرن" التي حاولت إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من خلال تطبيع علاقات إسرائيل مع دول عربية بارزة .
رغم هذا التحالف الوثيق ، فإن خسارة ترامب في انتخابات 2020 أدت إلى تصاعد شعوره بالخذلان ، و شهدت توترا كبيرا بعد خروجه من البيت الأبيض و خسارته أمام بايدن . تقارير أشارت إلى أن كوشنر ساعد الحزب الديمقراطي في تعزيز نفوذه ضد ترامب و وصل الى حد محاربته . هذا الشعور بالخذلان يؤثر على سياسات ترامب المستقبلية تجاه إسرائيل ، مما يفتح المجال لإعادة النظر في الدعم الأمريكي غير المشروط .
خصوصا بعدما أخفق نتنياهو و كوشنر في تحقيق أهداف رئيسية كضم الضفة الغربية . هذا الخذلان أتاح لترامب مساحة لإعادة تقييم علاقته بحلفائه السابقين ، و هو ما ظهر جليا خلال محاولاته لإتمام صفقة تبادل في غزة بعد عودته حيث لعب مبعوث ترامب الخاص دورا حاسما في كسر الجمود ، و تمكن من تحقيق اختراق في المفاوضات خلال فترة زمنية حرجة معتمدا على ديناميكية جديدة أوجدها انعدام الثقة بين ترامب و نتنياهو .
الصفقة لم تكن سوى بداية مسار جديد يسعى فيه ترامب لتحقيق أهداف استراتيجية أكثر جرأة ، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على نتنياهو أو كوشنر . هذه الاستقلالية المكتسبة من انعدام الثقة ساعدت ترامب في استغلال "الوقت الضائع" لإعادة ترتيب أوراقه ، و دفع الأطراف المختلفة نحو حلول عملية . و مع ذلك يبقى نجاح أي اتفاق مستقبلي مرهونا بتجاوز عقبات سياسية و جيوسياسية معقدة منها الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة و متطلبات الدول العربية التي تربط أي تقدم بتسوية عادلة للقضية الفلسطينية .
انعدام الثقة بين ترامب و نتنياهو لم يكن عائقًا كما قد يبدو بل كان دافعًا لترامب لتبني نهج جديد أكثر براغماتية ، محققا تقدما لم يكن ممكنا في ظل التحالف المطلق السابق . هذه الديناميكية الجديدة ربما تكون المفتاح لإعادة صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة و إسرائيل، و فتح آفاق جديدة في المنطقة تتجاوز التحديات التقليدية .
مع بداية المفاوضات للمرحلة الثانية من الصفقة تحت إشراف ترامب ، من المرجح أن يسعى الجانب الإسرائيلي إلى تعطيل هذه المحادثات بكل ما أوتي من قوة . في الجهة المقابلة الولايات المتحدة ستبذل كل جهد ممكن لضمان التقدم في المراحل الثانية و الثالثة من الاتفاق ، لتأكيد صدق التزامها و تنفيذ و عودها بعصر ترامب لإسترجاع مكانتها الدولية . و رغم محاولات التعطيل من قبل نتنياهو و فريقه إلا أن التوقعات تشير إلى أن الرئيس ترامب سينجح في تحقيق أهدافه ، و المضي قدما في إتمام الصفقة كما وعد .
كان انعدام الثقة بين ترامب ونتنياهو دافعًا لتحول استراتيجي في السياسة الأمريكية ، مما منح ترامب فرصة لتغيير نهجه في التعامل مع ملفات الشرق الأوسط لما هو أصلح لأمريكا أولا . و مع اقتراب انطلاق مفاوضات المرحلة الثانية من الصفقة يبدو أن ترامب مُصر على المضي قدمًا رغم محاولات التعطيل . هل سيستطيع نتنياهو إفشال جهود ترامب في إتمام الصفقة رغم إصرار الأخير على إتمامها ؟
